الاثنين، 10 أكتوبر 2016

469


 بين المباني الشاهقة و المباني التاريخية جسر يفصل بينهم، و تحته يجلس كل من خاف من المرتفعات و من فضّل الحاضر على ضجيج الزمن. تحت الجسر، في العادة يجلس رجل لم يستحم لأسبوع على لوحة كرتونية و أمامه كوب يسقط فيه بين حين و آخر قطع معدنية من السماء. 
أما اليوم، في رحلتي المعتادة تحت الجسر، بين رجل يحمل حقيبة عمل ثقيلة ينطلق بسرعة نحو المدينة، و امرأة بدينة تحمل كوب تنتظر هطول المطر، و طالب يتمهل في طريقه نحو المكتبة، وقفت لأنضم الى فتاة تلف رأسها بوشاح بني فمها مفتوح و يعلو على وجهها القلق ازاء منظر الرجل الذي لم يستحم منذ اسبوع و يوم، راقد على مرفقه و رأسه يعلو و ينخفض. كوبه لم يكن هناك.
اليوم، تلك اللحظة، كدت أقسم ان شيء قد مات في الجو و ترك خلفه رائحة نتنة و سحابة تلف السماء. في يوم آخر، بالأمس او بالغد، لكنت قد أقسمت ان لا شيء يموت في هذه المدينة الا الوقت، و لنسبت الرائحة الى فراغ الكوب من القطع النقدية و امتلاؤه بالخمر. أما اليوم فهو الموت. رأسه يعلو و ينخفض و ضجيج صدره و هو يطرق قميصه يسمع رغم امتلاء الشارع بأشخاص مختلفة: طفلين وراء أبويهم يحملون حقائب متطابقة اللون، زمرة من المراهقات يعلو صوتهم في حديثهم عن خطط الأسبوع، وراءهم زوجان يضحكون على نكت بعض. رأسه يعلو و ينخفض و ضجيج صدره يسمع و لسانه خارج فمه، ثقيل و لا لعاب يزاحمه. 
اليوم، في رحلتي المعتادة تحت الجسر، بين الباصات العملاقة و هي تندفع في الطريق من و الى المدينة، وقفت لأنضم الى فتاة يعلو على وجهها القلق ازاء منظر الرجل الذي لم يستحم منذ اسبوع و يوم. في يوم اخر، بالأمس او بالغد، لكنت قد استمريت في طريقي. كنت لألحظ فواح رائحة الخمر، و النظرة المجنونة التي يلقي بها الرجل الذي لم يستحم منذ اسبوع و يوم نحو المارون. الفتاة تتحدث، و القلق يعلو وجهها، لا استطيع سماع صوتها و ما تقول، فضجيج الشارع اعلى من صوتها، و لكنها تسأله عن حاله. تسأله ان كان بحاجة الى سيارة اسعاف، تطلب منه ان يرد عليها: هل هو بخير، هل فقد شيء؟ "لقد فقدت حبيبتي" يقول و أخيراً. الموت يحزم امتعته و يرحل، و تعلو رائحة الخمر و تخرج الشمس. لم يحدث شيء، لقد فقد الرجل الذي لم يستحم منذ اسبوع و يوم حبيبته. 
أنطلق في طريقي بين العمّال و الطلبة و أصل الى نهاية الجسر، و بعد مضيء اليوم، أعود من نفس الطريق. 
تحت الجسر، بين رجل يحمل حقيبة عمل ثقيلة يعود من المدينة، و طالب مثقل بالكتب، أرى امرأة بدينة و قد يأست من انتظار هطول المطر الى جوار الرجل الذي لم يستحم منذ اسبوع و يوم. يرافقها و كأن شيء لم يكن. هو بدوره ينطلق في طريقه بين المباني الشاهقة و التاريخية. اقترب منهم، و رائحة الخمر تضرب أنفي. "أعتقد انني في حاجة الى الذهاب الى غرفة الطوارئ" يقول لها، فترد عليه "اصمت". أعتقد انه قد عثر على حبيبته اذاً. 

الأربعاء، 5 أكتوبر 2016

كائن الشمس الفضولي 90

يا كائن الشمس الفضولي، 
في سكونك و في نشاطك..
تلك الكلمات الغارقة 
التي أمتصتها الغرفة..
تلك الكلمات قديمة اللفظ، 
حديثة المعنى..
تلك الكلمات التي،
تحاول بكل ما أوتيت من جهد، شفقة، سرعة
أن
تتجاهلها، 
تكاد تخلق منك كائن
غير مبالي..
و لكن، 
ريشك: يلمع، يسطع، يبحث عن
مرآة؛ 
انه يطفو على سطح الغرفة.. 
لا يؤطره زمن..
يظهر دون ان تبذل طاقة، بلا تكلف، ببطء
هنا، 
تطلق الشمس أشعتها
هنا،
الكلمات قديمة اللفظ، حديثة المعنى، 
انها تخاطبك
فتغرق نحو القاع
و تهضمها الغرفة.. 
في سكونك و في نشاطك، 
فضولك يتغلب عليك. 



الثلاثاء، 4 أكتوبر 2016

445 تقيؤ

دخلت المتحف و في عينيها شروق الشمس، لم تبال بالدرجة التي صادفتها لحظة دخولها حتى انها كادت تقع و ما انقذها كان حسها بالتوازن الذي تشبث بها لحظة وقعت عينيها على اللوحة المقابلة للمدخل: عملاقة، تكاد تغطي الحائط بأكمله و حتى اطارها لا يتوقف عن الامتداد الا و قد اعلن عن الكبر الذي بداخله. أرادت ان تلمسها، لتقتفي أصابعها اثر الألوان الزيتية الخشنة. و أرادت أن تخلع عنها الإطار لتعريها لتجعل منها غزالة جزيرة الاطلنطك. أرادت أن تقف أمامها ساعات.. و لكنها لم تمضي دقيقة حتى مضت عنها للوحة القادمة التي لم تكن في حجمها و لا في خشونتها و لا في تحفظها، و لكنها كانت جديرة بالدقيقة التي مضتها أمامها لتنتقل الى القادمة و التي بعدها و بعدها.. و كل لوحة، في تضاءل حجمها تلو الأخرى، تتضاءل معها خشونتها و تحفظها حتى وجدت نفسها أمام مجموعة من اللوحات الصغيرة، ناعمة و عارية متجردة من الإطار.. لم ترى فيها شيء. نفرت منها، و أرادت ان تبتعد عنها مساحة لئلا يرتد الفراغ فيها. و أرادت أن تؤطرها لتجعل منها منقبة تتشح بالسواد. و أرادت أن تهرب منها لئلا تضيع أمامها ثانية بعد... و لكنها وقفت أمامها دقائق عديدة تغلبت على ما أمضته أمام اللوحات العظيمة الأخرى مجتمعة. لا رهبة رافقتها كما كانت قد فعلت حينما تتالت عينيها على الأقمشة الملتوية، و لا خوف كما كانت بعد أن غادرت عينيها الأخشاب الحادة، و لا بهجة الألوان و لا غضب التجريد و لا ضعف الخطوط. الشيء الوحيد الذي تجرأ و أعلن حضوره هو الاشمئزاز. اذا كان بإمكان لوحة أن تعلن حضورها بهذا الشكل الباهت، دون أن يتضمن شيء ما، دون أن يوفر معلومة ما للعالم، دون أن يقدم شيء جديد لم يخطر على بال أحدهم، دون انجاز، لما لا هي؟ قد لا تكون اللوحة العملاقة العظيمة التي تقابل المدخل، و لكنها ربما تكون احدى تلك التي تضاءلت في حجمها و عظمتها في مكان ما الى جوار العظيمة، أو هكذا على الأقل المتوقع منها. قد تكون ضئيلة و رديئة الألوان و خشونتها لا تحميها من الغبار، الا و أنها ستكون هناك في مكان ما تعلن عن حضورها بشكل ملفت، متضمنة عوالم بداخلها، موفرة معلومات للعوالم خارجها، مقدمة شيء جديد لم يخطر على بال أحدهم، ستنجز شيء ما. 
لم تتمالك نفسها و أرغمتها معدتها على اخراج كل ما في باطنها، فتقيأت لحظتها أمام اللوحات البيضاء الضئيلة، و لم تأسف و لكن اشمئزازها لم يغادرها بعد. تأكدت من ابتعاد الأعين عنها و عمدت الى ان تسمح لأصابعها أن تتقفى اللوحة، و من ثم رسمت لها إطار، و غادرتها. 
خرجت المتحف و في عينيها غروب الشمس، و في سعيها الى ان لا تسقط عن الدرجة التي تصادفها لحظة الخروج تأكدت من أن تضع ساقها بتمهل و لكنها وقعت و قد تركت توازنها في ما أخرجته من باطن معدتها على اللوحات البيضاء الفارغة. 

الاثنين، 3 أكتوبر 2016

275 صبح

أستعد لليوم و أنا جالسة على كرسي دوّار أخضر و أخدع نفسي بالإستماع الى موسيقى بوب نشطة لتخرج مني طاقة الحياة... فتخرج شيئاً فشيئاً، و لكن أول ما يترأى لها فعله هو الجلوس هنا و الكتابة بأسلوب قلدته حوالي ثلاثة سنوات مضت، اسلوب نثري لا يعبر عن الكثير الا الرغبة في مشاركة محيط الغرفة. ذلك اليوم، على خرير القطة الذي جعلته مواء، و الجورب المتناسق الذي جعلته خلاف ذلك، جاءني لايك من جمع ممن أعتاد اللايك على خربشات فتاة، و معهم لايك جعل القطة تموء بصوت أعلى و الجورب الفردي يتلون لون بعد لون، لايك من ماركوس الذي قلدت اسلوبه. فالأعيد الأمر الآن قبل أن أعود الى ارتداء ملابس الخروج، قبل الحصة الأولى، قبل البرد القارس، قبل أن تنطلق الكلمات لتهرب صوب البرزخ (كلمة أخرى ترددها أمي على مسمعي دون أن أمتصها، سوف أتذكرها لتحمر وجنتي خجلاً من خطأ اللفظ). 

جدران وردية ترتفع تجاه السقف المتقشر، صوت أولي مورس يصدح بغزل فاحش، شمس خفيفة متسللة من خلال النافذة المقابلة للحائط الأحمر القبيح.. و شخص مشمئز من كمية الطعام الذي تناوله. جدران وردية تدخل لتكون زاوية واسعة، صوت النقر على اللابتوب بعشوائية، ظلمة تكتنف معظم الغرفة.. و شخص ينظر الى الساعة بتوتر و الدقائق تمر بشكل أكثر عشوائية من الكلمات التي تكتب خلالها. 
جدران وردية، و لا قطة تصدر خرير، و لا قطة تصدر مواء... باص المدرسة لن يأتي لأن الباص قد حلّ مكانه المشي و المدرسة لم تعد من واقعها. جدران وردية، و الشمس تتسلل بشكل أكبر بعد و لكنها ليست صارخة و لن تكون الا في تلك الساعة التي تكون فيها بعيدة. الجدران الوردية ستتحول الى برتقالية، و من ثم حمراء، و من ثم سوداء.... السقف سينهار، الزاوية ستضيق، و القطط ستموت. الغرفة ستنفجر.