الخميس، 29 سبتمبر 2016

606

صباح الخير

كلما ألاقي اشياء من يومي اجد انني قد وجدته في منامي هذه الليلة.. الكثير من هذه الأشياء هي أشخاص: 'كيكا' البرتغالية التي تدرس الفيزياء التي تحدث احدهم عنها فطور اليوم كانت قد جلست على الارض و قد ظهر منها اصفرار بؤبو عينيها، و ذات طيف اللون منعكس في شعرها.. و الألمانية التي درست هنا سيمستر فقط التي أهدتني رواية لنيل غايمان في رسالتها تخبرني كم انها اشتاقت لأحاديثنا و تتمنى لو بوسعها العودة أجدها قد عادت بحقيبة ظهرها التي توازي في اخضرارها رباط حذاءها... و تدخل بوابة المبنى من جديد. 
أحلامي حقيقة لا فقط صدف تعكس الحياة. 

الأمر غريب و لطالما وجدت الكثير من ما يحدث لي ليلا و نهارا غريب و لكن لسبب ما غرابة أحلامي بوسعها ان تحطم جدار الإتيكيت الذي يطالبك بضبط النفس و عدم الحديث عن الظواهر الغريبة و كأنها جزء من حياتك.. فأجد نفسي اتحدث بيني و بين نفسي بانني امتلك حدس قوي. 

القصص القصيرة بدورها تمثل لي شيء بلون الأحلام، فوجدت في قصة 'لماذا لا ترقصان؟' لـ كارفر سبب لتقليد الطريقة التي تنتقل بها التركيز من الرجل الغريب الذي يبيع كل شيء الى الثنائي الشاب الذي يشتري كل شيء. بناء على هذا، احاول التقليد بقصتي الخاصة:
______________________________________

جلست بمحاذاة الشارع و ارتشفت سجارتها، و الظلام كاحل يحيط بها. على الرصيف، خرارة تمتص بقية الماء الذي تجمع عقب صب المطر، و صوت بالوعة تبتلعها و كأنها تتشربها. كاحلها الذي يحتمي به وشم صغير لتاريخ كبير، لا يصل اليه طرف سروالها ليغطيه. بشرتها الانجلوسكسونية عاجية و في جهات حمراء تذكرك بلون اللسان عقب الاحتراق بطرف الملعقة، او بقارورة دواء كحة تباع في الصيدلية. تتمتم قليلاً لتختمها بكلمة "خذني" و هي تنظر الى الحائط المقشر الى يمينها، و تغلق عينيها حتى أخذها النوم على غفلة. 

في نهاية الطريق، مشى الصديقان و في مشيتهم شيء من السرعة، حتى ظهر لهم من تحت ضوء الشارع كاحل أنثوي عليه رسم اخضر من نوع ما، متصل بكائن مهترئ الأسنان و رث الملبس. فيقول الطويل "فلنقف هناك، تبدو المتسولة ممن قد يشتري مننا اخر البضاعة". ليرد القصير الذي يأخذ كل خطوة الى الامام و كأنه يقفز ليجاري الطويل في طوله "لا اعتقد انها تملك ما تعطينا.. و لكنها تبدو يائسة". "المهم ان نتخلص من كل البضاعة" يقول الطويل. حتى يصلا الى الكاحل الأنثوي و اخيرا، و لكنهم يفاجئوا بشخير صادر عن فمها المتعفن يشبه صوت الرعد في جفافه. "ماذا نفعل؟" يقول القصير. و من ثم يرد على سؤاله "ننتظر". 

في منامها، ترى نفسها قد وصلت و اخيرا نهاية النفق و لكن قبل ان تتحصل على فرصة التفرج تعاد على الواقع على وقع سؤال و جواب "ماذا نفعل؟ ننتظر" لتجد نفسها مقابل دمية مترامية الأطراف و اخرى ثقلها يجرها نحو الأرض. و لكنها لا تصرخ. "ماذا تبيعان؟" تسأل بنبرة المعتاد على التعامل مع ظل و ظله. و من ثم تضيف "لانني سأشتري اي شيء." و في تلك اللحظة، اي بريق متبقي في عينيها من ايام الوشم اختفى.. البريق الذي تبقى رغم عفونة الشارع و رائحة القطع النقدية اختفى و حلّ محله اللاشيء. 

الطويل يشير الى القصير بأن يلتفتوا بعيدا عن المرأة ليتشاورا. قرروا بيع ما تبقى لديهم من بضاعة لها. يسأل القصير "بماذا ستدفع؟" ليجيب على سؤاله ثانية "بكل ما لديها" و يبتسم بمكر و في ذات الوقت يختنق اشمئزازا.
"نريد الوشم مقابل البضاعة" يقول الطويل و هو ينظر الى الكاحل. و يخرج من جيبه البضاعة. "خذه" تقول، "خذه". يمد البضاعة الى القصير الذي يقول "و نريد الكاحل ايضا" و هو ينظر الى السروال. "و السروال" يقول الطويل. "و ما تحته" يقول القصير" و أعلاه" ، "كل شيء الا..." ، "الا الأسنان" يتفقان. "خذه، كل شيء لك.. الا الأسنان". تستلم البضاعة لتسلم المقابل، و تعطيهم كل شيء. جاءوا و أخذوها، اخذوا كل شيء الا قبلة. 


الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

يوم قرأت قصيدة لأول مرة 169

أشعر بلهب الحب يحترق بداخلي... 
لا ذلك الحب الذي يندلع في باطن المعدة و يرتفع تجاه القلب ليدفئ الجسد كله و إنما ذلك النابع عن فقاعة تكبر داخل العقل

تنمو مثل الغشاء الذي يلف الجنين
بإنتظام مثل مشية ساعي البريد
مفاجئة مثل قطرة المطر الأولى في أمسية صيفية دافئة...

و لهب الحب يحترق بداخلي...

فقاعة تكبر بداخل عقلي
تخبرني أنني سأكون بخير عندما أقفز تجاه المجهول
لأنني أعلم كل شيء عن المجهول
رجفة عيني تذكرني بالفقاعة
رعشة بسائر الجسد تنسيني اياها

و لكنه ليس ذلك الحب الذي يندلع بظاهر الوجه و ينكفي ليحتمي بالمخفي
و إنما هو... حب القراءة
تستطيع ان تفاجئنا

في لحظة تدور القصيدة حول حبيب
و في ثانية تغدو حول اللهيب
و في اخرى يصبح اللهيب هو الحبيب

رعشة تسري في طرف المرآة تذكرني بطيفي
حين كنت ارتدي النظارات دون ان ارتديها
رجفة عين بين القطع النقدية تتحدث عن امسيتي مع البائع
حين تركت الأوراق بين يديه لأهيم في أوراقي

أنمو مثل القفاز
في إنتظام مثل الساعة
بشكل مفاجئ مثل قفزة الضفدع

..و لهب الحب يحترق بداخلي. 

206


ألف جديدة لن تبدأ بسهولة الحليب و العسل، و لكنها ستعمل على أن تكون شيء منه.. لعلها تكون لبن و مرملاطة و ان لم تتماشى مع بعض، و لكنها محاولة. 

هناك كلمات تتوالد
مثل الفراخ من بيضة،
لو لم تخرج
لكان مصيرها ان تصبح
فطور لم يتم انهاؤه.
و لكن هذا لا يعني
انها كانت لتكون 
لذيذة
و لا يعني ايضا
انها تخرج لنا فرخة
حكيمة

هناك كلمات 
تأبى الخروج مننا،
انها ترقص على 
اللسان
و تعتمد على
تقديم التضحيات لها،
تعتمد على
طقوس معينة:
اقتراب منتصف الليل،
خواء المعدة،
الخوف..

هناك كلمات
ليست الا كلمات
و لا يعني ترتيبها اكثر
من لهجة مكتسبة
او عملية بيع محتملة
او تقليد مباح
بعضها فارغ و المقصود
لا يتعدى
الواضح

هذه الكلمات
في تقليدها الأعمى لما 
انتقدته قبل قليل
هي كلمات تتوالد 
مثل الفراخ
و هي كلمات تعتمد
على التضحيات
و الطقوس
هي كلمات فارغة

***

هناك قوة ما
تولد من ضعف 
طباعة رسالة تحمل 
مشاعرك.
هناك ضعف ما
يموت من قوة
قراءة رسالة تحمل
مشاعر.

و ما المشاعر
الا تحسس 
لكمية الهراء الذي
تتشبعه مساماتنا
و تسد.
و ما الأحاسيس 
الا الشعور
بالهواء و هو
يضرب وجهنا
و يدغدغه.
يحتقن و يتورد
يلمس و يداعب

***

لبن و مرملاطة لن تصبح ألف، بل لم تصل حتى المئتين!

الأحد، 18 سبتمبر 2016

1148

لا اريد ان اصنع من احداث اليوم كلمات تسجل تحت الألف كلمة، و بدل من ذلك اتخذ من المهرب الذي وجدته في رواية "حديث الصباح و المساء" لنجيب محفوظ البداية، فأتحدث عن شغفي في الرواية التي وجدتها تشبه "مائة عام من العزلة" لغابرييل ماركيز من ناحية التركيز على سلالة و تطورها و تعايشها مع الأحداث المختلفة ، و لربما وجدت في رواية لم اقرأها بعد شبها في كونها تتخذ من القصّ غير التقليدي اسلوباً.. بالطبع، فإن مقياس العمل الأدبي الرائع لا يكون بوضعها امام عمل اخر ثبت له بالروعة من قبل النقاد و الزمن كما فعلت انا، و لكنه يرفعه درجات في رأيي لأنها تمثل انعكاس لتطور تاريخ الأفكار لدى البشرية و التعلم من الأصل لخلق أفكار جديدة بالتالي تتوالد منها أفكار و كلام من هذا القبيل لست مقتنعة بطريقة تقديمي له و لكنني مقتنعة بالفكرة التي نبتت رأسي. و من هذا المنطلق، و على غرار الشخصيات المختلفة التي تم عرضها في حديث الصباح و المساء، سأحاول ان استثمر الألف في شخصية من صنع خيالي لا ادري من ستكون بعد و لكنني أعلم أنني اريد لها حياة من حي فطومة القصقاصة و اقارب يشبهون أخو فطومة عليوة و لربما عبقرية في فهم الشعر الجاهلي تماثل تلك التي جاءت بها زميلة لفطومة، بل ربما تكون حتى زميلتها هذه: الخنساء القاسم محمد
ولدت و نشأت في شارع الزاوية و هي الرابعة من بين سبعة بنات و بنون لأسرة متوسطة الدخل و الحجم و الاسم. و قد اكتسبت ملامح جدتها فاطمة الحادة على بشرة قمحية و قوام أمها سميرة بدءا بطولها الفارع اما من تحدث معها فقد يلمح اقتباسها جدية والدها القاسم و رزانة لو لم تضبطها بابتسامة لنظر اليها على انها تكبّر لا يليق بمكانتها التي ورثتها عن عائلتها غير معروفة الأصل. و قد ترعرعت بين طولة لسان البنات و الكلام الخشن من قبيل الأبناء دون ان ينحدر الى تناول السباب و ذلك للوازع الديني الذي ضبط الأب الموظف بوزارة التغذية الذي بدوره ضبط الأبناء و بينهم البكر عادل الذي اتجه فترة تفجير المطار نحو الانضمام الى ميليشية لم تنجو من تهمة الحرابة و العصابة. و لكنها منذ صغرها شغفت باللغة العربية التي كانت لغة القرآن الذي حفظته بسهولة جعلت من حصة الدين المفضلة لديها و جلست ساعات تشاهد قناة سبايستون لا تأبه لما يعرض و انما بما يقال. و من ثم نضجت لتقص لسانها باختيارها و تناست الكلام الخشن و اتجهت بدلا من ذلك الى تناول اللهجة بمخارج الفصحى السليمة دون ان يبدو من جهتها اهمالاً لطبيعتها الجادة فلم تتجه بذلك الى الدلع. تخصصت في اللغة العربية في الثانوي و قد وجدت اقبال من والدها الذي بدأ يرى فيها حافظة لكتاب الله تضاف الى بلد المليون التي لبسها تاجاً على رأسه فرأى أنها تشفع له النوم على اذان صلاة الجمعة اسبوع بعد اسبوع. في حصص الأدب و البلاغة اكتشفت الشعر الجاهلي و تفرعت في الاسماء الكبيرة التي نقشت له اسما عطراً و لكن نظرها لفت بالأخص نحو من اشتركت معها في الاسم و هي الخنساء فجلست تقرأ لها في أبيات سجّلتها في مذكرتها و لعبت على تقليدها بين الشموع عند قصّ الضي و اهتمت بفك رموز و اسرار اللغة و القافية فبرعت فيها دون ان تعلم. لاحقاً، و مع ان اختيها عائشة و فاطمة اللتان تكبرانها سناً تزوجتا فور تخرجهم من الثانوي الا ان الخنساء دخلت الجامعة لتدرس اللغة العربية و حلمها ان تصبو معلمة اللغة العربية التي لم تجدها في يومها، فأرتدت عباءتها على طولها و لم تخلعها رغم نصائح زميلاتها ذوات النية الحسنة اللواتي لم يكن في نيتهم الا مساعدتها على جذب اهتمام العريس الذي كان اخر اهتمامها، اذ رأت في العباءة رمز لبطلتها الخنساء التي لا بد من أنها ارتدت بدورها عباءة سوداء طويلة تغطي كل شيء الا لسانها الذي اخرج كلمات في لذة العسل و لكنه يلسع دونما ينتبه. قوامها الفارع جلب لها الخطّاب ممن عجب بمشيتها الجادة و حديثها الكلمة و قصّ التي كشفت لهم عن رزانة هي في الحقيقة الرغبة في بلوغ مراتب الشاعرة التي رسمتها لها مخيلتها قليلة الكلام الا فيما ينفع و لم ترى في كلام بنات عمرها ما ينفع. و رغم الخطّاب الا و انها رفضت الخاطب وراء الآخر الذين جاءوا على طول مشوارها الدراسي، خاطب في السنة، و ذلك خلاف اصرار الأب و الأم، الأب الذي بات يرى في تفوقها نذير شؤم يجعلها تتعثر في دراستها نحو سراب هو العنوسة، و الأم التي رأت في تقدم البنت في العمر فرصة لآثار الزمن ان يظهره و قد عاونها على ذلك السرعة التي اصبحت فيه الأم سميرة الحاجة سميرة.. و لكن الخنساء استمرت و تخرجت و تعيّنت و وجدت شغل في ثانويتها القديمة و ذهبت و درّست و لم تقبض راتبها في ميعاده مثلها مثل والدها الموظف بوزارة التغذية و قبلت بفرحة الذي ينعم بكل شيء على خطبة الجار حامد سعد خليفة الموظف بالمصرف المركزي الذي لم يقبض بدوره راتبه في ميعاده و لكنه امتلك من الواسطة ما يمكنه من التقدم نحو بداية الطابور نتيجة معارفة بالمصرف و الذي امتثل لشروط الأم سميرة في المتعارف عليه من حلي تكاد تنعدم في الوضع الاقتصادي آنذاك و تزوجت و في بالها أشعارها الخاصة الغرامية التي كانت مخارجها الفصحى تجعل من ما شاركتها مع حامد ذو طلة مبهرة رغم ركاكتها النسبية مقارنة مع اشعارها القادمة التي جاءت عقب مقتل عادل على يد ميليشية اخرى و الذي تزامن مع ولادة بكرها حاتم حامد سعد خليفة، فأمتثلت الأبيات للتوعدات بالعقاب التي حفظتها عن كتاب الله و بالتحسر على ايام لم تكن لظروف مقتله لتوجد. وازدادت اشعار الخنساء في التدفق مع وفاة الأخ الأصغر علي في العائلة في حادث في الطريق السريع اثر السرعة التي تعلمها جيله فأنقلبت به السيارة و من معه من أصحاب و لم تفسر التحقيقات عمن كان يقود السيارة فتوردت أشعار الخنساء بتخمينات لعلها تحل اللغز و تحسر على زمن السرعة. و قد تزامن مقتل علي مع ولادة بنتها مسرة التي جاءت على بعد سنتين من حاتم. و لكم ان تخمنوا بما يأتي تزامن مع كل وليد لها، الموت الذي يخطف للخنساء فرد من العائلة التي حرصت على عدم التشبع بلسانها و لا بكلامها حتى انقرض اخوتها الأربعة و الذي لم تعود منه سميرة الثكلة فدخلت كآبة رأت فيها الدنيا سوداء و ربطت لكل ابن لها لقب الشهيد متناسية ظروف موتهم و توقفت عن الخروج من البيت و كأنها تعد العدة سنوات طوال فإنتهى بها الى الموت مبكراً متأثرة بموت خشني الكلام خاصتها فتوفت على بعد اربعة سنوات من وفاة اخر ولد من السكر الذي لم يعالج.. هذا الذي تزامن مع نضوب قلم الخنساء الذي سرعان ما عاد ينزل في السكر و الكآبة و فقدان الأم و لم تتوقف حتى اختفت كل عائلتها التي فور ما يتوقف قلمها ليأخذ لحظة يتنفس فيها يعود من جديد ليلاحق اشباح العائلة متوسطة الدخل و الحجم و الاسم و الظاهر ايضاً متوسطة الحظ، اذ انها لم تعمرّ لترى الدنيا تصعد و تنهار في حروب متتالية أولها بدأت بحروب الطاقة و قد وصلت حروب الماء، و لكنها لم تتركها ايضاً دون من يراها، فجلست الخنساء رفقة حامد و الأبناء و البنات يشاهدون كل ما لم يلحق عليه اخوة الخنساء و لا باقيهم حتى جاء يوم الخنساء و لم يجد القلم من بد ليكتب كلماتها الأخيرة على وزن كلماتها الأولى الركيكة التي كتبت في ظل شمعة في شارع الزاوية.

الأحد، 11 سبتمبر 2016

1023

أجلس في المطبخ كعادتي، و قد تناثر شعري المتساقط على الأرض و أصبحت مؤخرتي أكثر تسطحاً، و أفكر في العناد. لست "عنايدية" في نظري، اذ لا أجد في ما يتحداني به الغير حافز... على النقيض من ذلك، أجرح و أدفن ما كنت أعتزم فعله في خبايا ذاكرتي، لربما تعثر عليها ;كائن غريب ما لم يعد فرح بعد الآن، بذات الطريقة التي لربما سيعثر غرباء من كوكب آخر أو بعد آخر أو "ضع هنا هراء آخر من الخيال العلمي" على القرص الذهبي الذي ترك على كوكب القمر و به "عينة" عن الطبيعة البشرية و العلوم و الاكتشافات و الأسرار و كل شيء من الممكن تخيله. فكرة القرص الذهبي هذا تجنني! لطالما أعجبتني فكرة الأشياء التي تترك ليعثر عليها في وقت لاحق، كنوع من مداعبة الوجود الذي لا يعلم ماذا حدث اليه سوى انه لم يعد موجود.. انقضى و لربما تغيّر او تبدد او او حتى اختفى للأبد. فكرة المذكرات التي يقرأ فيها عن التفاصيل المملة، القطع النقدية التي لم تعد لها قيمة مالية فأصبحت قيمتها تاريخية تتفوق على قيمتها الاصلية، صور الأجداد المدفونة..... و القرص الذهبي الذي يحتوي على أحدهم يقول "مرحباً" بلغات العالم المختلفة، و المعادلات الحسابية، و تفاصيل موقعنا في الكون لربما يكون حينذاك قد انفجر كوكبنا و شمسنا و كل ما عرفناه. 
أجلس على ذات الكرسي فتزداد مؤخرتي تسطحاً، و أخطط متى أقوم بكنس الشعر من على الارض، و في الخلفية اسمع كل ثانيتين و بتواتر مذهل صوت خرفان تقول "مااااع".. و أفكر في العناد. لست عنايدية... الا مع نفسي. ماذا تمثل الألف هذه الا محاولة التغلب على الكسل؟ و الجلوس في المطبخ مع شهية مفتوحة و مع هذا الاتجاه الى الياغورت الطبيعي، و قراءة كتاب في يوم واحد حتى و ان لم يكن لذيذ.. 
اذا هناك عناد من نوع اخر، هو ذلك الذي تحاول فيه التحسن او التحكم في نفسك رغما عنها. 
هناك عناد الألف رغم أنك قمت بكتابة كل الكلمات التي قامت بمضايقتك في مذكرتك في وقت سابق... هناك عناد ان تكتب قصة تافهة فقط لتثبت نفسك انك قادر على كتباتها، لربما يكون موضوعها رجل يمتلك رائحة فم كريهة يجلس في الباص، او شعور باكو الكيكة الجاهزة عندما يضحك على من قام بإعداده بإستخدامها...... لربما يكون موضوعها شاب يمتلك ذاكرة فوتوغرافية يصبح مصوّر، او بيت بدون عتبة، او شخص مهؤوس بالإنتاج يدعى منتج. لربما أجعل كل شخصية بعيدة عني كل البعد فأجعلها ذكر او شيء غير حي، او شخص اختبر شعور الوقوع في الحب، فقط لأتفادى الكشف عن نفسي... لأموه الناس و نفسي بالذات من فكرة أنني أحب التصوير و لكنني لا أمتلك الصبر للتعديل و أنني أرى في الكثير من النساء آرائك لأنني أتذكر معلمة التاريخ و هي تحدث أختها قائلة "و القطوس خش تبول على الأريكة" و أنني بنفسي مهؤوسة بالإنتاج: أريد أن أكتب و أترجم و أرسم و أتركها تتجمع ليعثر عليها كائن فضائي لم يعد فرح بعد الآن و إنما عبارة عن وجه معكرش مليء بالتجاعيد لا يتذكر من حياته الكثير الا أنه قد ترك كنز يجب ان تبحث عليه. لربما ايجابيات فقدان الذاكرة هي أنها لن تضطر الى مواجهة الكثير: لن تحتاج الى مواجهة شبح فكرونة صغيرة تركتها تموت في غرفتها، و لا الى منظر عينيها التي تتحول في دقيقة الى عيني عظاءة و لا الى الخوف من رداءة ترجمتها مقابل ترجمة مدونة "المعطف" او شخصية كتاباتها حد النرجسية و لا رسمات تفسد صندوق الألوان الذي جاء هدية من صديقة هي بدورها تمثل محور من مخاوفها.. حتى أنها تجد نفسها تتساءل: هل يعقل أن يكون القرص الذهبي قد مرّ بمثل هذه التخيلات؟ أفكار من قبيل، "أقله الطبيعة البشرية لن تضطر الى مواجهة شيء"، فلن يضطر الانسان الذي انعدم في ذلك البعد من مواجهة أشباح الجشع و الحروب و المناورات السياسية التي تركت لتموت و ضحك عليها بدفنها مقلد الغراب، و لا الى منظرها أمام المرآة و هي تتغير كل يوم من طفل تخيفه فكرة أن إنعكاسه يبتسم الى عجوز لا توجد تركينة في وجهه الا و قد رسم عليها الزمان خط، و لا الى الخوف من حمضها النووي و هو يخلق تشوهات في نسلها و يعكس تربيتها التي تخطئ و تصيب. 
فجأة، يتدخل العناد. ليس النوع الذي كان يوماً الحافز لقتل الشقيق و لإشعال الحروب و التهليل للمناورات، و إنما النوع الذي تحاول فيه التحسن او التحكم في نفسك رغما عنها. 
عناد الألف يتحول ليصبح عناد من نوع الرغبة في الخروج عن ما آلفته أسلوبي الكتابي الذي ليس الا محاولة موازنة بين البداية و النهاية، و كثرة توليد الأمثلة... و كل هذا لدوافع جمالية بشكل ثانوي، و لكن نتيجة التعوّد بشكل أساسي. لحظت في نفسي الأسلوب الذي أجد فيه ما يثنى عليه، و لكنه يصبح متكرراً و بالياً و أفعله بوعي و دون وعي مني. أريد أن أخلع عني القالب. فالأكتب بطريقة خارجة عن المألوف قليلاً. أعلم أن من يريد أن يصبح كاتب يقوم بتقليد كتّاب و يكتب بأسلوبهم. هل اتجرأ على التقليد (أعني، التقليد بوعي مني)، لأخرج قليلاً عن القالب الذي بنيته لنفسي من مواد بنائية مختلفة لا تصلح لوحدها لتخلق نص يجب أن يقرأ. 
على وزن بداية رواية جاين آير التي بدأت اقرأها (فيما أعتقد أنني سأستمر) اليوم، أكتب موقف يحدث لفتاة لا أدري من تكون، بل هي أنا:" "فطومة، لا أحب الكسولات و لا البايرات؛ و على كل، يوجد شيء عيب و محرم في أن تقوم بنت من عمرك بالجلوس الى جمع من المتزوجات. حضّري شيء و قدميه و عودي للمطبخ، و الا أن تتم خطبة أو زواج، لا تخرجي منه." 
مطبخ صغير يلتصق بغرفة الضيوف، قمت بتشمير يدي نحوه. أحتوى المطبخ على خزانة؛ سعيت للحصول على الأماعين حالاً، فراعيت أن تحتوي السكر. وضعت نفسي أمام الغاز: متمسكة بكاشيك خشبي، مثل أمي؛ و بعد أن قمت بترك البخار يخرج حتى أنه يكاد يغطي علي الرؤية، أصبحت في ضباب منتصف مدينة ملوّثة في الصين. 
قطرات من الماء الغازي يرتفع في الهواء يغطي علي من اليمين؛ الى يساري حيث تكثفت القطرات الغازية، تفصلني، و لكنها لا تحميني من أكواب المتزوجات. مراراً، على علو صوت صفير الطنجرة، راودتني تخيلات عن أحاديث المتزوجات. من بعيد، سمعت صدى باهت لضحكات و تصفيقات؛ و من قريب تخيلات أحاديثهم صوّرت لي مواضيع ساخرة و قرمة، مع احتمالية أن تصبح أي منهنّ موضوع الضحك و التصفيق. " 
أجلس في المطبخ كعادتي، لم ألملم بعد الشعر المتساقط، و مؤخرتي تزداد تسطحاً، و أفكر في العناد. هل يمكن للعناد على نفسي أن يجعلني أضع نفسي تحت رحمة كاتب أخر، أتبع قوانينه و معاييره الجمالية، و أخضع لفواصله النابعة عن اسلوب حديثه؟ 

الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

1132

أكثر من اي شيء اخر، انا كائن روتيني. اتوسد على المهام اليومية و اخلق لنفسي منها بيت يحميني.. و من ثم أنفش الوسادات، أهدم البيت، أثور على كل شيء و استبدلها بجديدة.
الروتينية هي كلمة اتهرب و اتبرأ منها. أتظاهر بأنني أحب الجديد و المشوق و المختلف، و أحب هذا حقاً.. و لكنني اتظاهر بأنني أفضلها على المعتاد و المريح و اليومي.
**
- ماذا تفعلين؟
- أصب لنفسي كأس من الشاي.
- تقصدين انك لازلتي تشربين الشاي كما كنتي سنوات مضت؟
-نعم.
- تقصدين انك لم تتغيري؟
- بل تغيرت.
-كيف؟
-تغيرت كثيراً.
- حسناً، كيف؟
- والله، تغيرت.
- هل أصبحت أكثر طولاً مما كنت عليه يوم توقفت فيه عن النمو؟
-لا.
- هل تغيّر تكوينك العظمي؟ هل نمت لديك رئة اضافية؟ هل أصبح لديك اذنين مثل الأرنب؟
- ماذا تقول. ذلك لا يعقل حتى. لا، و لا، و لا.
- اذا لم تتغير ما لم يطرأ عليك تغيير كبير قلب حياتك رأساً على عقب. لم تصبح البطل الجديد لدى فريقك الوطني لكرة السلة بسبب طولك غير المعتاد، و لا أصبحت صاحب عظام رفيعة جعلت منك عارضة أزياء، و لا أصبحت معجزة علمية، ولا صاحب قوة حيوانية خارقة. لم تتغير.
- هل تحاول اخباري ان التغير يجب ان يكون جسدي و ايجابي؟ ماذا عن التغير الداخلي؟ التغير في الطباع و التصرف؟ ماذا عن السيطرة على النفس؟ ماذا عن ادمان التدخين؟ ماذا عن الكآبة؟ فقدان مشاعر الحب؟
- لا اؤمن بما تقول.. التغيير ليس الا القدرة على الاكتساب.
- حسناً ما رأيك في انني اتناول الشاي دون سكر هذه الأيام. لقد تغيرت، أصبحت شخص أخر لا يشرب شايه مع السكر، فقدت الوزن، و كسبته ثانية، و لكنني لا اتناول السكر الآن. لقد تغيرت.
- لم تتغيري، لقد غيّرتي شيء في حياتك، و لكنك لم تتغيري.
- لقد تعلمت أن أقول لا و أعنيها، حتى أنني لا أتفهم بعد الآن عدم قدرة غيري على الرفض فيما يخصهم.
- و لكنك لم تصبحي معتادة على أن يتم رفضك.
- لقد صبغت دون قصد أسناني الأمامية حتى أنها أصبحت غريبة اللون. و لكنها لم تعد تزعجني بعد الآن.
- هذا يشبه أن تتسخ الضمادة البيضاء او تنقص الممحاة او تتعبأ المياه التي تشربها بالسموم لتصبح بول.
 - لقد عشت في أماكن متعددة و بكيت عليها ليلة الرحيل و من ثم تركتها خلفي.
- و لكنك لم تصبحي هذه المدن و المباني و الغرف للأبد.
- لقد غيّرت رأيي بشأن فيلم "غريس" و نكهة الآناناس و رائحة البنزين.
- و لكنك لم تتوقفي عن مقارنة العلاقات العاطفية بتلك التي وجدتها في قالب الفيلم، و لا نزفت عصير آناناس، و لم تتوقفي عن رؤية الرائحة في كل محطة ترينها حتى و إن كانت في صورة.
- لم أعد أبكي مثل الطفلة التائهة عندما يؤلمني كلام غيري. لقد نضجت.
- النضج لا يعني التغير. و في الواقع هو يؤكد أنك لا تزالي ذات البذرة التي كنتي عليها أول يوم لك هنا.
- حسناً، لقد كذبت.
- أوه..
- لم أتغير. أرتدي الكعب أحياناً لأصبح أكثر طولاً، و لكنني لم أطول. و قد وقعت و انا جالسة في كرسي المطبخ فكسرت ساعدي، استبدلت عظمو و لكن بنيتي لم تتغير. بدأت أخذ انفاساً أكبر و أنفث من أنفي بشكل أكبر تمثل مجهود رئة إضافية، و لكنني لا أمتلك رئة ثالثة. أما أذني، مثل أنفي هي لن تتوقف عن النمو طالما أنا حية، هي لا تشبه أذني الأرنب و لكنها لا تبتعد عن ذلك اليوم و مؤكد أنها لن تختلف كثيراً لو عشت ألف سنة أخرى.
- لقد تغيرت بالفعل.
- لم أتغير. أغش أحياناً فأتناول السكر بكثرة في الشاي و القهوة. و أحياناً، أرفض قائلة لا مع ارتفاع في نبرة الصوت في النهاية و كأنه سؤال، لا؟، أما أسناني، فقد اشتريت مؤخراً معجون أسنان يعيد اللون الى الأسنان. لازالت بعض الأماكن التي قطنتها تطاردني و لم تتركني. طرابلس، بورنموث، تونس... حلمت بغرفة نومي بطرابلس ذلك اليوم و لم تتغير. أنا لم أتغير. بداخلي رواية عن طرابلس، و قصيدة عن الطرق التي اتبعتها، و أغنية شعبية عن مطار احترق. غيّرت رأيي في فيلم "غريس" و لكنه لا يزال من الأفلام المفضلة لدي، لازلت أترك الآناناس في قاع الصحن، و لازلت أحاول أن امتص البنزين نحو رئتي الثالثة كالبيروقراطي الفزاني منتصف القرن الماضي.
- تغيرت..
- لقد كذبت. لازلت أبكي مثل الأرملة بعد خلاف مع أمي، فتنتفخ عيناي و تصبح عينا عظاءة وحشية تخشى منها على حياة ذبابات المنزل، أنزف مياه مالح معاد تدويره، يسد أنفي و يشتد ألم رأسي و تتجمع نقط حمراء صغيرة تحت حاجبي... و من ثم أعود كما كنت و انسى. لم أتغير.
- لقد كذبت. أصبحت كاذبة، و كاذبة بارعة بعد.. فتغيّرت.
**
أكثر من أي شيء أخر، أنا كائن روتيني. أفرش أسناني يومياً، أتفقد هاتفي بهوس، أشاهد أفلام مشابهة و أتحدث مع معارفي و أتفقد الثلاجة دون رضا.. و من ثم أقرر أن أتغاضى عن تفريش أسناني بعد يوم متعب او حين لم يتبقى على اليوم الا ساعة، أقرر أن اترك هاتفي يفرغ من الشحن دون أن أعبئه، أشاهد حلقة من مسلسل تركي معاد تدويره مع أختي، أقرر أن أقول أكثر من "كم السعر" لدى شراء حاجياتي، أبقى بعيداً عن المطبخ.. و أنشئ عادات جديدة.
العفوية هي كلمة اتشبث بها. تذكرني كثيراً باللعب على الأراجيح و الدمى التي تزين واجهات السيارات و بنسختي عن نفسي التي يقال لها "اعقلي و ارزني".
**
- ماذا تفعلين؟
- أعد لنفسي كوب من القهوة.
- تقصدين النسكافيه؟
- لا فرق.
- بل يوجد فرق لا يدركه من لا يهتم بدقائق الأمور.
- أعد النسكافيه في دقائق معدودة، لأترك وقت أقوم فيه بفعل أشياء أكثر أهمية من إعداد مشروب. أقوم بالروتين كما هو، بطريقة روتينية و من أقفز من حائط الى آخر، أحبك الكذبات، أتناول ذبابات المنزل، أجعل أحدهم يدوخ من رائحة النوم الصادرة عن فمي. أقوم بأشياء عفوية يعني.
- و لما العفوية؟
- لتحدث الحياة فارق بداخلي. لتتعدل طباعي و تنحرف تصرفاتي. لأتعلم السيطرة على نفسي أو ترك العنان لها. لأنفث الدخان يوم بعد يوم حتى تثقب رئتي الأولى و الثانية و من ثم الثالثة، فأتوقف.. فيصيبني حزن بالغ و كرب لا يفكه الا الاعتراف بحبي لشخص و من التوقف عن حبه هكذا دون سبب.
- اذا العفوية هي طريقك لتتغير.
- لا أؤمن بالتغير. أؤمن بالتطور، بالانهيار.. الهضبة التي تتراكم عليها التربة لتصبح تلّ و من ثم جبل، النفس التي تتحول مع الخضوع للشهوات و الملذات من صفحة فارغة الى فم فاغر لا تخرج منه الا الكلمات النابية. عفوية الطقس في الشروع بمناداة التربة، و عفوية الشيطان في وخز النفس لترى في السكر حالة نشوة و في نشوة الفراش الدنيا و في حياة الدنيا الأبدية.
- لا يوجد عفوية كما تقال. الطقس يعمل بطريقة حتى جناح الفراشة بإمكانه ان يفقده توازنه، أما الشيطان فهو يخطط و ينوي و يتربص. و التطور، الانهيار... كلاهما يحتاج الى خطة، الى الروتين.
- في هذا الحال، فلنترك لصاحب الروتين المجال لأن يتغير، و للعفوي المجال لأن يبقى كما هو.
**
أنا كائن روتيني يكتب هذه الكلمات بصعوبة بالغة و من ثم ينسحب، مثلما انسحبت قبل ان تأكل عيناي الذباب و يقفل باب أن أصبح جبل و أن أكذب كذبة جديدة. 

1037

عندما كان منتج طفل صغير يعمل اقرانه على تفكيك ما يجدونه من حضارة امامهم، وجد بداخله رغبة دفينة في الانتاج.
نحت الخشب الذي تركه والده في السقيفة ليخرجه مع القمامة حين ينسى ان ينسى، و صنع منه كرسي قبيح غير متين، و من ثم ضمد يديه التي نزفت نتيجة قلة الخبرة و جلس عليه ليسقط الخشب المنتصب تحته. احضر المسامير المتبقية من عملية صيانة المنزل الفائتة و بدأ يعيد وضع أطراف الخشب الى مآلها السابق. و من ثم ضمد ساعديه الذين نزفا نتيجة استخدام القوة المفرطة و خاف ان يجلس عليه ليسقط ثانية، فوضعه في تركينة من غرفته التي ستصبح في السنوات المقبلة المكان الذي يرقد فيه اخاه الذي لم يلد بعد. "ما احلاه الكرسي حبيبي" تخبره امه من وراء سحاب من الضباب الخارج من الطنجرة التي بها المكرونة التي تخلطها الأم. "كنت بنلوحه اللوح شن مسك فيه؟" يعلو صوت الأب عندما يدركه في سرعة ليبرر اختفاء الخشب. "عادي نقعمز عليه؟" تبتسم له أخته الصغرى ببراءة نقضيها الرغبة في تسلق العرش.
في سنه المبكرة تلك، وجد المجامل و العدو و المستهلك.
***
عندما كان منتج تلميذ، فضّل ان يستخدم عينيه للنظر على اذنيه للاستماع الى المعلمة او اللسان لترديد كلامها. وجد في ما رآه دافع للإنتاج.
الألف باء تاء و الواحد اثنان ثلاثة التي بدأت و كأنها كوب من الحليب الدافئ تحولت مع الوقت الى ألف تضرب في جدول ضرب ثلاثة فأصبحت حليب مغلي احترق و سال و فاح منه رائحة محترقة. هكذا وجد منتج سنوات المدرسة التي لم يرى فيها الا استيقاظ مزعج من الأحلام و اوراق رتيبة ضببت رؤيته.. و تلك الفتاة التي جعلته يزهد في كل الفتيات التي تلتها. في المقعد المجاور له تجلس منحنية فوق ورقة مزخرفة بخيالها، متجاهلة الدرس و جاهلة بنظراته. الألف باء تاء و الواحد اثنان ثلاثة خرجت من فم المعلمة و حامت صوتاً في الغرفة و بقت كالسحابة فوق رأسه و رأسها تأبى ان تمطر، لعله هذا ما جذبها اليه. كان من يجلس تحت الغيمة العقيمة شجيرات من الأفضل ان تقتلع من ان تستمر في الاعوجاج، و ازداد هو اعوجاجا كلما تآملها و ازدادت هي كلما انحنت اكثر حول أوراقها.
في صمتها رآها قابلة للنحت دون ان يغيّر طبيعتها الخشبية.
كانت تجلس على كرسي بني ذو ساقين معدنية، يبتلعها كالثقب الى اسفل، و ساقيها تندفع الى الأمام و الخلف بتناغم مع النشيد الذي يردده الفصل. الكرسي البني ذو الساقين المعدنية يتكرر في الفصل بأكمله، و لكنه لا يرى الى الكرسي الذي احتوى عليها كما احتوى بطن الحوت على النبي يونس. آراد ان يخرجها من بطن الحوت دون ان يبللها، و لا أن يصدمها فرسم لها فرس يطير بها من فم الحوت.
عشية الجمعة، بعد اندفاع التلاميذ لمنازلهم، بقى منتج في الفصل، فقام بطلاء الكرسي باللون الأحمر.
يوم الاثنين، قبعت فيه منحنية بداخل فم الحوت، جالسة على لسانه اللزج و الذي تفوح منه رائحة الأسماك.
لا تشعر بالخطر و هو يتربصها و انما هي في سكينة من يهمس لها من بعيد بأن للكون سر.
اما عشية الاثنين، قام بطلاء نصف الكرسي باللون البني الغامق و نصفه الأعلى بالأزرق السماوي.
في اليوم التالي، قبعت فيه منثنية بداخل القورب و السماء الصافية تعلوها، و النوارس تحوم حولها.
اطلقت النوارس صوتها و هي تتجه نحو الأفق، فدلتها على منتج البعيد بالكاد تراه يبتسم و كأنه يخفي سر.
في العشية، قام بطلاء الكرسي بالأخضر و زيّنه بألوان الزهور.
و في اليوم التالي، وجدت نفسها في غابة كثيفة بها من الكائنات ما يستغرب، و الرائحة المنبعثة من الزهور تخلق ممر يدلّها على منتج ثانية، هذه المرة هو اكثر اقتراباً. يبتسم و كأنه يشاركها سر.
في مغامرته الخشبية الأولى تلك وجد الإلهام.
***
عندما خرج منتج باحثا عن لقمة عيش، وجد في الانتاج أفضل وسيلة للكسب و أكثرها متعة.
عمل في مصنع الآثاث الذي لا يبعد كثيراً عن منزل العائلة و المدرسة القديمة، فيستيقظ و في باله الأريكة و ينام و في باله الكرسي الهزّاز. في المصنع المحلي المتشبع برائحة عرق الرجال و الممتلئ بالزجاج المتهشم، يتحرك منتج و كأنه يحوم في السوق. يخطو طريقه بتمهل الى آلة الحدادة و يعود بالحديد المصقول و كأنه يحمل أكياس بها مشتريات حريرية، يطلي الخشب بزيت الورد و كأنه يدهن عجين كعك العيد، و يتناول الغذاء على عجل حتى لا يتأخر على المسمار و المطرقة.
تفوق منتج في عمله، فصنع أرائك جذابة هي موضة الموسم، و كراسي هزازة أصبحت المكان المفضل لدى الكثيرون.. طاولات كثيرة تنتصب على أربعة و مرايا تعكس أكثر من روح المنزل و مكتبات عملاقة.. و لكنه ظلّ يفضل الكرسي، فعمل على تكرار كرسي طفولته في نسخته الجميلة و المتينة.
خاف على يديه فضمدها حتى لا تنزف، و خشي على ساعديه فضمدها كذلك، و لكنها نزفت رغما عن الضمادات.
رغم تفوق منتج الا ان الآلات فاقت منتج انتاجاً، فلم يعد المصنع وسيلة كسب فأضطر أن يبحث عن بديل. عمل سائق تاكسي و من ثم بواب شركة و من ثم في محل للمواد الغذائية... لم يوفق في اي منها. لم يتحمل الجلوس متصلب على كرسي السيارة الجلدية دون أن يكون له دور في تشكيلها، و لا ان يقف ساعات دون ان يحق له الجلوس على ما قامت بتشكيله آياد و مخيلة بشرية، و لا ان يبيع ما يتسبب بشكل غير مباشر في زيادة الثقل على الكراسي.
رغم تفوق منتج الا ان الآلات فاقت منتج انتاجاً... و لكن الآلات لم تكن تجد في داخلها رغبة دفينة في الانتاج، و لم تجد في ما تقع عليها عينيها الدافع، و لا تجد فيه الوسيلة لكسب العيش و المتعة. الآلات لا تجد شيء لأنها لا تبحث، أما منتج، فهذا كل ما يفعله. و قد بحث عن عمل حتى وجد ما يناسبه في محل للأثاث يبيع فيه ما أنتجته غريمته الآلة.
***
عندما كان منتج صغيراً، وجد المجامل و العدو و المستهلك.
أما اليوم، فلا يوجد بعد انتاج يجلب له عبارات مجاملة لزجة، و لا مجال لمن يعاديه، و لا وسط للإستهلاك.
عندما كان منتج تلميذاً، وجد الإلهام في مغامرات خشبية.
أما اليوم، فالمغامرات الحديدية و الحريرية و اللوحية كثرت و لكن الإلهام لم يجد طريقه لينتج.
عندما خرج منتج باحثا عن لقمة عيش، وجد مجال للإنتاج.
أما اليوم و قد انعدم السبيل و سرقت الآلات مكانه، لم يعد هناك من داعي لأن يسمى منتج بمنتج.
فكّ الضمادة من على يداه و ساعديه و تخلص منها. و كان الأجدر ان يتركها ليضمد بعد كل تلك الثقوب التي نزفت. عينيه التي اضطرت الى ان تشهد أخطاء الصناعة الآلية.. أذنيه التي اضطرت الى ان تستمع الى ثرثرات الناس حول انخفاض سعر الأثاث بفضل الآلة. فمه الذي ظل يردد بطريقة منفصلة عن واقعه "انا منتج". 

(6\9\2016)