الثلاثاء، 30 أغسطس 2016

320

توا تفكرت حاجة من الصبح، خلال حصة السواقة كنت اوخر بناء على تعليمات المعلم، فتأتي الى أذني تعليمات أخرى هي : "انتبهي للحائط، لا تريدين ان تقومي بنفس الشيء للأبد، صحيح؟" و لكنني وجدت نفسي أفكر "و كان؟ يبدو لي مريح أن أبقى عالقة على وضعية واحدة". رغم حرارة الطقس صباح اليوم و قلقي من الاصطدام بالجدار و صوت المعلم الآمر، بدا لي كل شيء مثالي تلك اللحظة فرغبت في العودة الى الخلف الى أبد الأبدية. رغم قراءاتي الخفيفة في الأدب الوجودي و رغم التصاق بذهني حوار معاد تدويره من قبل كاتب معاصر عن الألم الذي يوجد في أن يفعل المرء شيء عبثي طوال الدهر. رغبت في أن تدوم تلك اللحظة و رأسي ملتفت الى الخلف، و جسدي يقبع مواجه الأمام، كرسي منتصب يبقيني في مكاني، و رجلي متحكمة في استمرار تلك اللحظة. بدت لي مثالية. و لكنني أتوقف بغتة و أدوّر رأسي الى الأمام و أعود الى الواقع.  

أما على ممشى المدينة التي تمتد طول البحر، آمنت صاحبة العينين الكرتونية بحياة لا تفعل فيها شيء الا المشي تجاه المجهول. لم ترغب في المشي حافية القدمين و لا الاعتراف بقوة الشمس التي تضربها بسوط من الحرارة، و لكنها مشت رغم ذلك. تقدمت و توغلت و غطست و امتدت و عاشت على تلك الطرقات التي لا تؤدي الى أي شيء قد اختبرته من ذي قبل. رأت في الأفق شيء يبدو و كأنه يغمز لها لثانية و من ثم يختفي ليباغتها حين تنسى سبب التقدم في الطريق. رغم قراءتها لخرائط تاريخية في الفنون و الآداب قد تمثل لذوي الإختصاص أداة أكثر فاعلية من ألف خريطة جغرافية، لم تسعفها قراءاتها لمعرفة عدد الكيلومترات التي تبقت. استمرت في المشي و لم تدهش.. و لكنها لم تصل بعد غايتها.

نحن كائنات مازوشية و الا لم نكن لنرى بد من مثل العودة الى الوراء و التنقيب في الزوايا المحرمة من الذاكرة... في خلق جروح تنزف منها أرواحنا دون أن تستبدل.. في حلب بقرة الإلهام دون أن يسد رمقنا يوماً لأنها ثور ينام تحته قطيع من الماشية.

الأحد، 28 أغسطس 2016

188

أجلس أمام الشاشة و لا أدري ماذا أكتب. اسبوع مضى كنت انظر الى هدف الألف و كأنه تلّ يسهل تسلقه، فتخرج مني الكلمات بسهولة تشابه المشي أماماً دون تفكير يذكر. اليوم، حتى هذه الكلمات التي هي في صميمها شكوى و تذمر تأبى أن تخرج بسهولة. أمضي اليوم بأكمله أحلم، و أفكر، و أخطط لكتابات أريد أن أجعلها حقيقة... و لكنني أنهيه و أنا في نفس المكان الذي بدأت فيه. اليوم استيقظت و في شعور الواجب، و كأن المضي في الحياة واجب و الاستمرار فيها شيء يتطلب جهد لا أريد أن ابذله بعد الآن. تذكرت فطوري اليومي و اتجهت للثلاجة و وضعت بيضة في إناء لأكلها و داخلها الأصفر طري، و من ثم شربت قهوة عكس قراري أن ابتعد عنها، و من ثم أخرى و لاحقاً ثالثة. أيقظت في القهوة مشاعر الحياة و ظننت لحظتها أنني سأطير.. لأسقط نهاية اليوم و أشعر باللاجدوى ذاتها التي شعرت بها صباح اليوم. لربما ألف اليوم ستكون عن هذا بالضبط.. او لربما أحاول أن أتجه بها بعيداً.
لأنني لا أستطيع الكتابة، لن أستمر اليوم. فليكن الغد يوم جديد لن أستيقظ فيه بمشاعر القلق منه، و لربما يوم يكون فيه كل شيء كما أرغب. 

الأربعاء، 24 أغسطس 2016

333

ألف اليوم لا أعلم أين ستأخذني. و لذا سأصف الفوضى التي أجلس بينها. هناك أمامي بطانية زرقاء مرسوم عليها فتيات القوة، متشنجة في فوضى على الأرض، و أقلام رصاص لا أدري من جلبها، و أطباق بها بقايا المقرمشات غير الصحية، و فوق كل هذا: الدوشة. لقد اكتشفت منذ صغري أنني لا أحب الدوشة – سواء السمعية او تلك الخارجة عن كثرة الأشياء حولي. تشتتني و تجعلني أشعر بأنني محاصرة.. كل هذه الأشياء هي نتيجة فتيات يشاهدن فيلم عن ملكة الجليد، و لكنها تذكرني كذلك بكمية الهراء الذي يجعلنا ثقلاء، لا نتحرك الا و نحن نجر وراءنا المادة التي أهميتها بالنسبة لنا من صنع خيالنا. بالأمس، رجعنا الى هذا البيت الذي تصر أمي على أن "عتبته باهية"، و نحن نكركر معنا كل الأشياء التي لم نستخدمها هناك و لكننا شعرنا في حاجة الى ان نحيط نفسنا بها. الأمر يرهقني و يفقدني توازني. كل هذه المقتنيات التي نعتقد أنها السبيل الى الراحة هي في الواقع ما يجعلنا لا ننتبه الى ما وراءها. ما وراءها هو العمل الشاق و التعب و الوقت.. و لكن ما وراءها يؤدي الى راحة البال و ثناء النفس و شعور الانجاز. أتحدث هكذا، كمن يخطب في المنابر عن تحريم تناول الحلوف ليأكله لاحقاً، كالبلد الذي يأمر بالحرية فيخلع ملابس المحجبة عنوة، و مثل الطبيب الذي يصف الدواء ليتفاداه عندما يمرض لاحقاً. أتحدث هكذا، كالمنافقة التي تمسك بقوة بهاتفها الجوّال و كأنها تطوّق رئتيها بذراعيها خوفاً من عدم دخول الهواء، و تفضل الكتب الورقية على الإلكترونية، و لا تتخلص من أشيائها الا بعد جهد كبير. لربما نجد هنا سبب الصعوبة، في كونها شيء أجد فيه صراع بيني و بين نفسي. لا أريد أن أكون ثقيلة، و لا أن أشعر بالفوضى و الزحمة. أريد ذلك الشعور الذي جاءني عندما لم أجد هاتفي ذلك اليوم، فتنفست الصعداء و أضطررت الى إرغام نفسي على العودة للبحث عنه.
لا أستطيع الإستمرار في هذا الموضوع.. و لذا لن تتسق الألف.
الفوضى لا تزال مصير هذه الغرفة الليلة.. حتى يأتي صوت أمي و هي غاضبة من وضع الغرفة.
تحقق التوقع و الآن الى الغرفة دون أن أكمل الألف. 

الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

1037

لقد استيقظت لتوي من قيلولة لم تتعدى العشرة دقائق.. و تداخلني فكرة لحوار أريد أن أكتبه عن الوطن، بعنوان "حوار عن الوطن"، الحديث فيه أشياء متعددة، أحاول فيها أن أصف أشياء من مثل المشاكل السياسية و الانسانية التي تسيطر على الوضع في ليبيا الآن. أتصور الحديث يبدأ بالحديث عن المياه و إنقطاعها.. فيكون هناك إسقاط للآية القرآنية "و جعلنا من الماء كل شيء حي"، عندما يدور الحوار عن إنقطاع الحياة مع المياه؛ و لربما إسقاط عن كثرة الموت في ليبيا. ثم يستمر الحديث عن إنقطاع الكهرباء، و الحديث عن الإبتعاد عن الحضارة و مقومات الحياة العصرية.. فالحديث عن البترول الذي أود لو لا يكون خفيفاُ، غير أنني لا أمتلك ما أقوله الآن سواء ما قد قيل من قبل. أو ربما، في الحديث عن "إختفاء البترول" رمز لما تعانيه ليبيا من ضربة على رأسها جعلت مواطنيها هم في حاجة ماسة الى الإعتماد على أيديهم، فيكون للإختفاء إحتفاء بالعمل الشاق على عكس ما كتب فيما قبل عن كون البترول لعنة ليبيا. وضع أفكاري هذه في كلمات لا تساعدني كثيراً الا فيما توفره من توثيق لكي لا أنساها لاحقاً، عندما أكون أكثر إستعداداً... و لكن هنا المشكلة: متى أكون على إستعداد و أنا أؤجل كل شيء. هذا لا يهم الآن رغم أنه أهم ما يدور في بالي. ما يهم هو الحوار، و ما يهم هو تكملته: الحديث لربما يغوص في تفاصيل أكبر و أكثر دقة، فيحدث أن تذكر أماكن لا تزال في ذاكرتي حية تنبض.. أرى هذه اللحظة الظهرة. لا أعلم لماذا.. و من ثم زاوية الدهماني. أعتقد أن هذا بسبب تذكري لأحداث جرت بالقرب من محطة البنزين. الطوابير الطويلة التي شهدتها.. الطوابير التي لا أعلم اليوم إن وجدت أم لا. الأخبار لم يغطي هذه الطوابير آنذاك، و لن يغطيها الآن. الطوابير أمام المصرف تطول و قد أصبحت من واقع البلد.. السيولة المالية هي مشكلة اليوم، و قد كانت بالأمس غيرها و ستكون غيرها بالغد. أما مشكلتها السياسية، فهي كل هذه الحكومات التي تتعارك على الكرسي و كأنها تلعب لعبة الكراسي المتحركة على وقع تذمرات الناس. عندما تتعالى الأصوات في المكان الذي كان من المفترض فيه أن تنقطع الموسيقى، تدخل حكومة جديدة لتلعب. يقع كرسي من الكراسي، لربما يكون كرسي ثقة المجتمع الدولي، أو كرسي علاقات الجوار الطيبة، و لكن يبقى الكرسي الذهبي – فلنقل العرش -، بين كل تلك الكراسي و يحدث أن تدور اللعبة بشكل معاكس للواقع. انخفض عدد الكراسي و ازدادت الأطراف المتصارعة عليه، و لم تحل المشكلة. طال الصراع، حتى أن مشروب سيزر اختفى من على الطاولات ليستبدل بـ سان توب.. و اعتاد الناس على عدم غسل وجههم و على الموت و أصوات المولدات الكهربائية.. في حال استطاعوا تحمل تكلفتها، و سرقة البترول الذي يقايض مقابل الأموال، و الضرب على الرأس و العمل الشاق.. اعتاد الناس على فكرة التقسيم الإقتصادي بين طبقات العالم و اختبروه في سعر الدولار، و ذاقوا أحجام مختلفة من الطوابير، و تعلموا أنهم لن يكونوا في الأخبار الا لو عمل مجنون يرتدي ثياب مزركشة على استقطاب المحطات لمشاهدة ماذا سيفعل بعد. حتى لعبة الكراسي المتحركة المثيرة من وجهة نظر أكاديمية هذه ليست شيء يستحق التغطية الإعلامية كما يبدو. الأمر محبط لأن الحفرة التي أصبحت عليها بلدنا تكبر و تكبر.. و ستصل الى الصين يوم من الأيام و مع هذا العالم لا يأبه. و لكن لربما هذا هو بالضبط ما تحتاجه البلد: أن تنتج مقومات النجاح البسيط لوحدها. بالطبع سيصدر عني هذا الكلام و أنا خارج أسوار الحفرة. بالطبع سأنظر الى الجانب الإيجابي و لم أختبر أخر إصدارات الجانب السلبي للوضع. بالطبع و بالطبع و بالطبع. لم أعاني منذ فترة من إنترنت ال.تي.تي، و لا من لفحة الشمس الساخنة و هي تتربص بالمنازل الخالية من تهوية التكييف، و لم أشهد جريمة قتل أخذت مكانها على الأمامية من كلية القانون. لم أشعر بحاجة الى ملء فجوة بحجم القمر بالحديث ساعات الليل المتأخرة مع شاب التقط عيني في شوارع الظهرة المزدحمة، و لا الى الشعور بذنب غير عقلاني جراء معاكسة من قطيع من الأولاد الذين تبعوني و تركوا المنقبة، و لا الى تبرير مكالمة هاتفية غالطة الى أخي الذي يمتلك ثلاثة شفرات و يحادث عشرة بنات في آن واحد. لم أعش رعب أن يختطف قريب و لم أشهد واحدة، مهما بدت لي تلك التي أشاهدها في مسلسلات الشرطة واقعية. أستمع هذه اللحظة الى ضجيج المكيف، و مهما بدا لي مزعج إن ركزت بما فيه الكفاية، لن يصل حتى نقطة الى درجة إزعاج المولدات الكهربائية. لهذا السبب: بالطبع و بالطبع و بالطبع "كل شيء كويس و يأخذ وقت و يولي باهي"، بالطبع و بالطبع و بالطبع "كثرت مشاكل البلاد و لكن مشاكلي في عدم القدرة على كتابة ما أرغب به، أو انزعاجي من سرعة الانترنت الحالية، او تورطي في حمل كتب لم أقرأها بعد.. كل هذه مهمة رغم تفاهتها" بالطبع.

سوف أنام بعد قليل، و لن أتعدى العشر ساعات و لربما سأستيقظ و تداخلني فكرة لحوار أخر أريد أن أكتبه، أو قصة قصيرة، أو مقالة... و لكن فكرة وضع البلد لن تتوقف عن مطاردتي حتى و أنا لا أفكر فيها. أعتقد أنه الذنب أكثر من أي شيء أخر، الذنب في أن أستمتع بوقتي بينما يعاني غيري من ويلات. لطالما كنت هكذا، و إنما على نطاق أصغر لا يتعدى القريبين مني. لا أستطيع أن استمتع بتناول شيء الا و أكون قد حاولت أقله مشاركته مع غيري.. أو ربما هذا هو تفسيري المتواضع لأضع طابع كتب عليه "خارج عن سيطرتي". الحقيقة هي أنني أرى كل هذه المشاكل التي تغص عيشة غيري و لا أستطيع فعل شيء حيالها. صديقتي التي تبكي من وسط العاصمة من شدة الإكتئاب، و الأخرى التي كانت قريبة مني و لكنها توقفت عن متابعة الانستاجرام خاصتي – لربما لأنها لا تريد مشاهدة ما يفوتها.. و الأم التي تسر بتسليم جمال بناتها يمنة و يسرة لمن يقبل بالسعر، الشاباني الذي رجع الى الوطن ليعيش فرحة التغيير و الذي يريد أن يغادره الآن؛ اذ لم يجد فيه الوطن الذي رآه في ذاكرته، الشاب الذي باع كل شيء ليشتري حلمه و وجد أن حلمه باعه ليشترى من غيره... كل هذه الاشياء لا استطيع فعل شيء حيالها. لربما استطيع حمد الله كثيراً و شكره على النعمة هذه التي أبعدتني عن كل هذه المشاكل التي أجد نفسي أتمناها فقط لكي لا أشعر بالذنب غير المبرر هذا. أستطيع حمد الله كثيراً و شكره على النعمة و أبتعث بدعواتي للصديقة المكتئبة أن تجد ما يجعلها تبتسم، و لتلك الأخرى نعمة تعميها عن نعم غيرها، و للأم و بناتها هناء و سعادة دون حاجة الى مقايضتها مقابل مهر، و للشاباني أن يرى و أخيراً الوطن، للشاب أن يأتيه حلم مجاني ينسيه ضياع الأول. و الحمدلله. 

الاثنين، 22 أغسطس 2016

1042

أعتقد أنني أمتلك مخيلة واسعة تضرني كثيراً.. و لكن الواقع من الممكن ان يفاجئنا لكثر غرابته. لهذا السبب، رغم المخيلة الواسعة هذه التي تجعلني أرى الغول حيث لا يوجد و أتجاهل اشارات المرور حين يجب علي التوقف، أريد أن أكتب عن و من الواقع. هكذا أتخيل الرواية التي صممت أن أكتبها.. رغم انني لم أكتبها حتى كقصة قصيرة بعد. ستكون الرواية عن جدي بشكل ما، جدي الذي لا عاد يعيش معنا الواقع و لربما لا يتذكر شيء حتى.. و خوفي أن يكون قد ضاع كل شيء اختبره. خوفي أن تكون الذكريات قد أصبحت لا شيء في دماغه. لقد أختبر الكثير في حياته، من الحلو و المر. شهد طرابلس بكل أطيافها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية. في نظري، لقد عاش حياة أقل ما يقال عنها مثيرة للإهتمام. أجلس اليوم الى جانبه و أمسك يده فلا يطلقها. أجلس الى جانبه و اتساءل ان كانت أحاديث أمي عن حياة والدها مجرد مبالغات لا تلام عليها.. ام ان كانت المبالغات هذه مصدرها حياة مفعمة بالحيوية. استمع رغم شكوكي و أرغب بمعرفة كل شيء. تمثل لي حياة جدي وسيلة للتعرف على طرابلس القرن الماضي.. فيكون منزله الزجاجي البوصلة التي تضع كل شيء نصب العين. كان يحكي لنا أبي قصته و هو مراهق يذهب في طريقه الى المدرسة فيمر من أمام المنزل الزجاجي الذي قطنته أمي و عائلتها.. و يخبرنا كيف رآى جدي و في يده فتاة صغيرة مدللة يشقوا طريقهم نحو المدينة. في الحقيقة، لا أدري إن كانت القصة حقيقية أم مجرد مزحة من مزحات والدي التي كننا قد أعتدناها، و قد فاتنا أن نستفسر.. و هكذا تمر الذكريات، مرور لا يتوقف معه شيء، لا حتى ذكريات من عاش الأحداث معنا. كلنا نختبر الأشياء بعيننا، بأجسادنا، بأنانيتنا المقيتة وحدنا. نلحظ أشياء تتعلق بشخصنا و تربيتنا و طبعنا.. قد لا تكون لها داع لأن تسجل في ذاكرة غيرنا ممن عاصرونا. رغبتي في دخول ذاكرة جدي، تحقيقاتي مع حنّاي لأحاول معرفة إن امتلك دفتر يوميات يدوّن فيه حياته، خجلي من تصوير جدي و في ذاكرتي صورته بذقنه الحليق و نظرته الثاقبة.. كل هذه الأشياء لربما تتعلق بحقيقة أنني لم أعرفه يوماً الا من خلال ما قاله عنه الناس، و ما رأيته من شخصيته المتحفظة أيام الطفولة. جدي الذي عاصر الطليان و الانجليز و الملك و القذافي، و امتلك مكتبة من الكتب باللغة العربية و الايطالية و الألمانية و الانجليزية و قرأها كلها ليشد أخر تلك الأشهر التي كان فيها نفسه كتاب تشخيص إيطالي لربما وجد فيها ما أصبح عليه الآن، و جلس في غرفة التلفاز يشاهد بالساعات خطابات رجل مقته مقت تام، و أكل الكثير من طنقورة الخبزة مغطس فيها زيت زيتون، و تحدث في السياسة بصوت يملأه الخوف، و تزوج من جميلة لم تعي ذلك، و لم يعرف يوماً تاريخ ميلاده. لربما أريد أن أعرف عن بطولاته و هو شاب و ضعفه في وجه السياسات المختلفة التي عاصرها و نجاحه في المرور فيها و كأنها لم تحطمه و كل تلك التفاصيل التي لا تعلمها زوجته حتى لأنه يمثل لي شخص غامض رغم أنه يقبع أمامي مبتسماً و متحدثاً باللغة الإيطالية. ماما سو تتحدث عن بابا علي أحياناً في أشياء لا تتعلق بموعده القادم مع الطبيب و جرعات أدويته و الشيء المضحك الذي قاله اليوم.. تتحدث أحياناً عن ليلة الزفاف عندما رآته لأول مرة و أجد نفسي أشعر بنفور لفارق السن بينهم، او عن أصدقائه و أحاديثه التي لم تكن تهتم لها و أتمنى لو استرقت السمع لربما سمعت شيء من أسرار زمانهم التي مكانها الأصلي "قهاوي الرجّالة"، و عن عاداته و روتينه الذي بدا لي قاسي لمن اعتبر نفسه مدني بالدرجة الأولى و مقت العسكر حتى أنني أتذكر سماعه يلفظ بأسوأ ما يمكن أن يقوله حسب تعبير وجهه و هو يحادث بالغ أخر قائلاً "هالـ عسكر سوسة"... عندما سألت حنّاي عن برج جدي فقط لأنني أحبذ تصنيف الناس و وضعهم في صناديق لأفهمهم بشكل أسهل رغم تشكك عقلانيتي، ذكرتني أنه لا يعلم تاريخ ميلاده، اذ أنه قد جاء في فترة كان يطلق على الأشهر أسماء استناداً على ما اتصفت به تلك السنة فـ قد يكون ولد في عام المطر او عام البلل او عام الشمس، و لكن أن صديقة تدعي امتلاك ما يؤهلها لتكون عرّافة أخبرتها أنه من برج السرطان: قاس من الخارج، طري من الداخل، و كتوم لا يشارك نفسه الا لمن يراه قد استحق الشرف. تقبلت حنّاي ذلك، و أتقبلها أنا التي تعرف الكثير عن هذه الأشياء التافهة. جدي بدا لي بعيد و قاس من الخارج و كتوم و غامض. أتذكر في طفولتي بقوة تلك المرات القليلة التي جعلني أشعر فيها بالإهتمام منه، و بالقرب. مرة كنت اتشاجر مع اختي و قد آلمتني بكلامها فأخبرني أنها "ببي" و أن آتي معه للغرفة الأخرى – قال هذا في المطبخ الأخضر و هو يفتح الدولاب باحث عن شيء، و مرة ناداني بالحلوفة و أخرجت لساني لفرط خجلي من ابتسامته، و مرة سألني و أختي إن كننا نلعب فخفنا و لكنه كان يسأل فقط كمن يتساءل، اأنت هنا؟ .. لم تكن المرات قليلة بقدر ما أعتقدت، فها هي تفيض الى أعلى أثناء الكتابة، و لكنها في ذات الوقت سبيلي الى تذكر أن جدي أكثر من مجرد ذاكرة فقدت لطرابلس الأمس. أعتقد أنني أمتلك مخيلة واسعة و لكنني أريد أن أكتب عن الواقع. أريد أن أكتب عن جدي و كأنه الشاهد الوحيد على تاريخ البلد، و كأنه الأنيق الوحيد الذي سار طرق طرابلس و قطع مدن شمالية، و كأنه الوحيد الذي تاجر و تزوج و ترك السياسة لأنه أكتشف أنها لعبة قذرة، و كأنه الوحيد الذي فقد كل هذا عندما فقد قدرته على التعبير عن ذاكرته. كل الرموز الأدبية التي أريد استخدامها للتعبير عن التجربة الإنسانية جاهزة في ملاحظاتي، و كل الاسقاطات السياسية و الاجتماعية تحوم في رأسي... و التفاصيل الصغيرة التي أتذكرها عنه و قيلت فيه تقبع في ذاكرتي و ذاكرة غيري، حتى و إن كانت مبالغ فيها. لماذا هذه الفكرة دون غيرها رواية أولى؟ لأنها جاهزة. لأنها في حاجة ماسة الى الخروج و التربع على الورق. لأننا في زمن ننسى فيه أن العصور بأكملها سيئة و مخيفة نرى فيه الماضي على أنه نعمة رفسناها بأرجلنا. لأن جدي يتمتم بالإيطالي و قصته تطاردني كلما رأيته يبتسم لي، الفتاة التي ناداها قائلاً "وين الوليد؟" في وقت ليس ببعيد. الذي يخفيني هو أن ابقى صادقة لنفسي لا فقط فيما أكتبه و إنما أيضاُ في تصرفاتي الأخلاقية: قلت من قبل أنني لا أرضى تصويره و صورته السوداء و البيضاء تلاحقني و هو يرتدي الطربوش و البدلة الأوروبية.. و لكنني أكتب عنه الآن و ما قيل عنه يتصدى لمن أقول أنه هو اليوم.. أكتب عنه و ما أدراني إن كان ليمقت ما أكتبه عنه.

الجمعة، 19 أغسطس 2016

1019


غاضبة من نفسي لأنني أسهر فوق طاقتي و من ثم أحاول أن استيقظ باكراً و من ثم أشرب شاي وراء شاي وراء شاي حتى أصبح عصبية و هكذا يمضي اليوم و أنا أخبر نفسي "الغد سيكون أفضل" و لكنني على خطأ لأنني عالقة في دوّامة من تصميمي، هي دوّامة الكافيين الذي أدمنته.. حصلت على مساعدة من عاداتي السيئة من مثل التسويف الذي لحظت اليوم أنها قادمة من كلمة "سوف"، و تأجيل كل شيء الى أخر لحظة ممكنة. حسناً، أريد أن أكتب مقالة عن الكافيين. اذ أنني قررت أنه سبب في سعادتي و تعاستي، فقد سيطر على حياتي سواء تناولته او قاطعته. لربما أبدأ المقالة بشيء كتبته على الورق عشية اليوم: فتحنا أعيننا على ما يقوله الكبار و نحن أطفال "ما تشربيش القهوة تو معش تطوالي" – "تخليك زي الشاباني و انتي صغيرة".. و من ثم تمردنا و شربنا و شعرنا بالذنب و سهرنا طيلة الليل و من ثم كبرنا و أدمننا القهوة و الشاي. كمجتمع، لا يخفي على أحد حبنا للقهوة، فنجد أن أنجح البزانس في طرابلس هي المقاهي سواء كانت الشعبية او الراقية، و الصداع يضرب رؤوسنا أول أيام رمضان، و أطلقنا أسماء مدللة على القهوة فأصبحت "مكياطة" و "قهيوة" و غيرها. أصبحت كذلك رمز للثقافة لربما لإرتباطها بالإبداع – فتوضع الى جانب الكتاب، و للرفقة الطيبة – فتصورها الفتيات في لمّاتهم، و لتقعميزة العشية – فيعزم الشباب بعضهم على مكياطة، و أصبحت مشروب الأحاديث السياسية و أخر ما تتخلص منها البنت (إن تجرأت) في الريجيم.. أما الشاهي بالعالة، فهو لم يخرج نهائيا عن جمعة العيلة حتى و إن تغيرت طريقة الجلسة. قصتنا مع القهوة ليست حكراً علينا، فنرى نجاح سلاسل المقاهي من قبيل ستارباكس و كوستا و غيرها في الدول التي لديها و انتشار المقاهي في كل مكان بقية العالم.. قصة العالم مع الكافيين هي المحيرة.
و من ثم أضيف معلومات عن القهوة و الشاي.. عن مضار الكافيين و مزاياه. أجد نفسي أبحث عن مقالات علمية من هذا القبيل و من ثم تخطر على بالي فكرة الكافيين في الألعاب الأولمبية، و السؤال: هل تمنع مشروبات الكافيين على المتسابقين بحجة أنها محفز؟ الجواب حتى الآن هو لا. لا تعتبر محفز يضيف للمرء قدرات فوق قدراته الأصلية، و إنما منشط للطاقة و مساعد على التركيز – يؤدي الى تقوية التركيز على ما كان المرء قادر عليه أصلاً. و لكن تظهر لي نتيجة البحث بالإضافة الى ذلك مقالة علمية من سنة 2010 لدراسة علمية وجدت أنه يوجد ما يثبت أن دور الكافيين في التحفيز يتعدى ذلك ليحسن الأداء الرياضي – الأمر الذي قد يعني الفرق بين قلادة ذهبية و دون ترتيب. هذه المقالة تجعلني أنتبه الى السبب الذي جعلني أشعر بالرغبة في الكتابة عن الكافيين، و هي أنني أحاول التحقيق في مدى تأثير الكافيين فينا. هل نصبح أفضل من أنفسنا أم مجرد أفضل نسخة ممكنة عننا؟ هل يتحسن أداءنا أم ينزل إلهام من السماء على شكل مشروب ساخن؟ كتبت فيما مضى، لربما ثلاثة سنوات مضت، عن القهوة. قلت عنها أشياء مثل كونها تمنحني قوى خارقة. الحقيقة هي أنني ظننت ذلك حقاً انذاك، و لازلت أعتقد ذلك اليوم بطريقة ما، اذ أنني أعول على الكافيين كثيراً... أكثر مما ينبغي. لربما يعود الأمر الى أمي و أبي و جدتي ماما سو و خالي و كل من كبرت عليهم و هم يتجرعون القهوة و كأنهم يتناولوا الدواء الذي يداوي المرض أو جرعة سحرية تعيد اليهم نشاطهم، أو في حالة ماما سو: الشراب الذي يوقظها من النوم فتتناولها صباحاً قبل أن تسمح لأحد بالحديث معها و من ثم الشراب الذي تخلد به الى النوم لكي يجعلها تشعر بالنعاس. عندما كنت صغيرة، لطالما أنتظرت اليوم الذي سيكون مسموح لي أن أشرب القهوة. لقد رغبت دائماً في أن أكبر. كنت مهووسة بفكرة الكبر عندما كنت طفلة، فنظرت الى الصف الذي يلي صفي و أردت أن أكون فيه، و انتظرت بفارغ الصبر أن أصبح امرأة بيولوجياً دون أن أظهر ذلك، و كتبت قصة عن فتاة تحتفل بعيد ميلادها الثالث عشر لفرط ما رغبت في أن أصبح مراهقة... و من ثم رغبت في الرقم الذي يلي عمري كل سنة: طلطتاش، أربعطاش، خمسطاش، ستطاش، سبعطاش. في السابعة عشرة من عمري، أردت أن أصبح بالغة قانونياً و لكنني تمنيت في الوقت ذاته أن أبقى في السابع عشر من عمري للأبد. اذ أنه رقم جميل، هو في الواقع يوم عيدميلادي و لذا تلقائياً يصبح جميل لدي، و لأنه سن أكون فيها كبيرة و مسؤولة عن نفسي دون أن أصبح عرضة للمساءلة القانونية. و لكن مع هذا، يوم عيدميلادي الثامن عشر لم أنفر من فكرة أن أصبح بالغة، و من ثم تتالى الأمر في مراحل عمري. فأردت كثيراً في أن أصبح في مرحلة الشهادة و من ثم الجامعة و العمل و الأمومة.... الآن لست أدري. الآن أخشى من تقدم الوقت أكثر من أي شيء أخر. أكاد أصعق كلما نظرت الى الساعة، فأجدها تقترب من الساعة الواحدة صباحاً. و أشعر بقلبي و هو يغوص داخلي عندما أنظر الى التاريخ. لقد دخلنا اليوم العشرون من الشهر الثامن من سنة ألفين و ستطاش، و قد تبقت أقل من أربعة أشهر على السنة الجديدة.. و أشعر بالخوف، و أذعر، و أتمنى أن أصبح صغيرة ممنوعة من شرب القهوة ثانية حتى لا يتقدم الوقت و لا أتقدم. عندما كنت صغيرة، رغبت في تناول القهوة.. لا (فقط) لأصبح مثل أمي و أبي و ماما سو، و إنما لأنها بدت مثل السحر، لديها مفعول تعويذة و المخدر و الحلوى. أبي كان يشربها مع القليل من الحليب في كوب يملأ حتى فمه، و أمي تشربها مع الإكثار من سكر الريجيم، و ماما سو تشربها سوداء لاذعة في تصل الى ربع الكوب في أكواب مختلفة الأحجام و الإستخدام، فنراها تشربها في كوب المشروب صباحاً و في فنجان عملاق ظهراً و في فنجان الشاي عشية.. أما اليوم، فلا أشربها. لقد توقفت عن شرب القهوة، فأشرب الشاي الأخضر بديلاً عنها.. و ذلك لما يقارب الأسبوعين الآن. و لكنني أغش. لقد شربت كوب كافي كريم بالأمس، أكثرت فيه السكر، و تركت لنفسي العنان في أن أشعر بالقوة السحرية المتخيلة، فضحكت أكثر مما تسمح به نكتة أختي و أحسست بضيق في التنفس يثبت أن الكافيين هو الجواب في سؤال مشكلتي الجسدية الفترة الماضية، و رسمت وجوه لفتيات يرتدين الحولي نصف منتهيات، و قبعت على سريري و اللابتوب أمامي، أحاول الكتابة اذ أن رأسي يزخر بمواقف أريد أن أصفها و مشاهد أريد أن أشاركها و شخصيات أريد أن أكتشفها.. و لكن يدي لا تفعلان شيء سوى جعلي أدرك بألم في كفي أن الأعصاب بدأت تلعب ببطني، بأن الكافيين قد وصل الى أمعائي.

الخميس، 18 أغسطس 2016

1041

دروس حياة من حصص السواقة
يتم تمثيل الطريق بالحياة و قيادة السيارة بإتخاذ القرارات في هذه الحياة، و ذلك لتوازي المعنى و بساطته. تمثل لي تعلم قيادة السيارة حلم قديم مرتبط بالاستقلال، لم يكن لي وسيلة لتحقيقه قبل اليوم. لهذا السبب، رغم انبهاري من الفكرة، لم أكن أعتقد أنني لأستطعت تدوير العجلة دون أن اصطدم في جدار و أتسبب في حادث. لطالما خفت من ما يتطلب مني استخدام جسدي و يداي و موازنتهم. فالتفتت بوجهي بعيداً عندما القيت لي الكرة للعب، و اختنقت كدت أموت حينما أجبرت على أن أتشقلب في حصة الجمباز، و أخبرت كل من يسمع بأنني أرجح انخفاض ذكائي الجسدي و ما يلاحقه من براعة في الرياضة و القدرة على القياس. لقد كانت حقيقة آمنت بها، فلا أعرف حتى اليوم كيفية قياس مساحة شيء ما و يخيفني أن أضطر الى أن أحزر مسافة او وزن شيء ما. ينطبق كل هذا الكلام على ما كنت أراه مهارة قيادة السيارة. اليوم، الحياة أثبتت لنفسي عكس ذلك. أن أستطيع تدريس السيارة في مسافة معينة بعد أن أقوم بحساب التفافات معينة لأقوم بوضعها في المكان المناسب، هو شيء يتطلب تركيز و قياس و موازنة و بشكل مجتمع، يتطلب ذكاء جسدي. سوف أتحدث الآن عن دروس حياة من حصص السواقة، أريد أن أكتبها هكذا لكي تصبح مشروع مقالة لنقاش. أول شيء و هو الذي جعلني أفكر في هذا العنوان "دروس حياة من حصص السواقة" هو ما قاله لي الأستاذ أول حصتين باللغة الفرنسية أول مرة، ليردده تقريباً كل حصة الآن بالعربي و الانجليزي و يكاد يقولها بالصيني المهم ان لا أنساها: أينما تنظر، أينما تأخذك يداك. بشكل تلقائي، يحدث أن نتحرك في المكان الذي ننظر اليه. عندما أركز على طارقة السيارة الليبية بدل من أن أقوم بالتركيز على نهاية الطريق، يحدث أن أقترب الى السيارة حتى و لو كانت نهاية الطريق على منعرج غير مستوي. هذا مماثل في الحياة كذلك. عندما أركز على أكثر من شيء، أصل مبتغاي و لكنني لا أوفق فيه. عندما أركز على شيء معين، مثل هدف أريد أن أصل اليه، يحدث أن أتجه بكل طاقتي نحوه، فيكون نجاحي مضمون لولا الظروف. إن ركزت على حياة غيري، لن أصل الى ما أتمناه و أتوقعه من نفسي.. أصل فقط الى الحسد أو الانبهار المحبط. في الحالتين، يحدث إصطدام مماثل لما كان ليحدث في السيارة، يؤدي الى عواقب وخيمة: في السيارة، العاقبة هي الحادث الذي يرفعنا بعيداً عن الطريق، أما في الواقع، فالعاقبة هي الإحباط الناتج عن عدم تحقيق الأمنيات و الآمال.
درس أخر هو "كلما قمت بتكرار الشيء و قمت بالتمرن عليه، كلما تحسنت في فعله"
خرج هذا الدرس من تكرار المعلم أن أقوم بتدوير العجلة مراراً و تكراراً أكثر من مرة كل حصة، اذ أنه قد لحظ ضعف تدويري أثناء الإلتفاف من جزيرة الدوران، التي حاولت أن ألومه عليها و هو الذي يقوم بدفع العجلة عندما لا أوفق قائلاً "لست سريعة بما فيه الكافية" و لنفسي أرد فأقول "..بعد:. الفكرة من وراء جعلي أدور العجلة هي ليست تعذيبي، و إنما جعلي أتحسن عندما يقوم جسدي بالتدوير الصحيح بشكل تلقائي في لحظات الضغط. الأمر مماثل في الحياة و على الكثير من الأشياء. التدرب و التكرار وسيلة تحسن.. و كم من مرة سمعت معلمة العلوم أبلة سعاد تكرر "التكرار يعلم الشطّار".
أما درس أخر، فهو ذلك القادم من المنطق، الصوت الذي يقول لك "مش كل شيء يقوله المعلم مزبوط.. ركزي مرات يغلط و تغلطي وراه". المعلم جليل و "كاد أن يكون رسولاً" و له معرفة تفوق معرفتك، على الأقل في المجال الذي قمت باللجوء إليه من أجله.. و الا ما كنت لأقتربت. و لهذا السبب، يجب الاستماع الى خبرات المعلم دون تكبر عن نصائحه و لا عصيان.. و لكن الكلمة هنا هي "استمع".. و ركز فيما يقوله و من ثم أترك العنان للمنطق أن يحكم. ففي النهاية، المعلم هو إنسان له أن يغلط و له أن يصيب. عندما يطلب منك الإلتفات الى اليمين، استمع و قدّر بينك و بين نفسك ان كان يعني اليسار اذا ما ظهر لك ذلك.. قم بسؤاله و لربما تحرج نفسك، و لكنك لن تتسبب في النهاية بحادث ينهي حياتكم. في الحياة الواقعية الأمر مماثل. إن أخبرك شخص خبير تحترمه بشيء هو عكس المنطق، لا داعي لإحراجه و لكن في الوقت ذاته لا تقبل بالمعلومة دون فحص و نقد فقط لأنها قادمة من جهة أو شخص تحترمه. الإحترام شيء و السذاجة شيء أخر. من الأشياء التي مثلت فصل من فصول هذا الدرس، هي ما قاله الأستاذ استجابة لسؤالي: كم يأخذ من وقت لتعلم قيادة السيارة؟ فأجابني بعوامل مختلفة، احدها هو الجنس. أن كونك ذكر ينعكس على مهاراتك في القيادة، و رداءة مهارتك لو كنت أنثى. من اللحظة الأولى لم أصدق ما يقول. تذكرت قراءة شيء ما عن قيادة المرأة للسيارة و لكنها لم تلتصق. لم أرد على كلامه و لم أتجادل، اذ أنني أعتبرت الموضوع منهي. عندما عدت الى البيت بعد الحصة، بحثت عن الأمر على الانترنت لأجد أنه في الواقع لا فرق حقيقي بين قيادة الذكر و الأنثى في الدراسات التي أجرت.. و الأسباب التي جعلت سوء تفاهم مثل هذا يستمر تعلقت بكون المرأة عديمة الخبرة في القيادة مقارنة بالرجل ثمانينات القرن الماضي عندما تم اجراء دراسات.. أما دراسات اليوم، فهي تخبرنا أن الرجل العشريني هو في الواقع أكثر السكان عرضة للدخول في حوادث و ذلك لما يتصف به من عدم تطور الأميغدالا حينذاك.
"المطبات مزعجة و لكنها موجودة لسبب ما" صحيحة و قد فكرت فيها ثاني مرة اليوم عندما حاولت أن أخفض السرعة أمام مطب  دون أن أوفق. و رغم أنها مزعجة الا و أنها لا توجد الا لتؤدي واجب ما.. حماية من السرعة اما في عرض المديتة لتؤدي دور الأمن، أو أمام مدرسة او مستشفى ما. الأمر مماثل في الحياة الواقعية. أحياناً، تكون هناك مطبات مزعجة تعترض طريق النجاح و الوصول الى الهدف على هيئة مشاكل و ضغوطات. كل ما يمكنك فعله آنذاك هو التخفيف من سرعة مواجهة المستقبل، و ذلك عبر التركيز على المشاكل اليومية التي يراها الناس فيك و منعكسة عليك. المشاكل رغم ازعاجها تحميك من خيبة الأمل و الإحباط لو جاءت كالجبال الصغيرة التي تبقيك يقظاً بما فيه الكفاية لتتجنب مشاكل أكبر.
توجد دروس أخرى من قبيل "عليك أن تتوقع الاسوأ من الجميع عندما تقود فتتوقع من الجميع القيام بغلطة"، و "عندما تريد التحرك في مكان غيرك قم بإعلامهم حتى لا تربكهم"، و غيرها من الدروس التي لا أتذكرها هذه اللحظة. وصلت الألف كلمة و أريد أن أختمها بتذكير نفسي أنني أريد أن أقوم بإعداد مقالة تتعلق بالدراسات التي أجرت على قيادة المرأة للسيارة و التي تفيد بأن الكلام الذي يقال عن عدم قدرتها صادر عن عدم الخبرة لا عن عدم القدرة. 

الأربعاء، 17 أغسطس 2016

1008

يقولوا الحوش من عتبته يبان، و لكن هذا لم يكن الحال مع هذا الحوش. رغم أهمية العتبة في الفولكلور الليبي، الا و أن دورها ممسوح في هذا البيت، لا نرى عتبة و لا حتى ما يشبهها من منعرج يبين الفرق بين البيت و الشارع... اذ ان البيت في الواقع خالي من العتب. بدايته مستوية مع أرضية الشارع حتى أنك لن تيقن ان كنت دخلت الجنة و لا النار، تكون فقط على ثقة بأنك على كوكب الأرض، في الواقع الفظ البارد.. في برودة هذا البيت غير المعتب. الأرضية معبدة و لكنه لمن الصعب لمن يلحظ تسطح الأرض بأن يعتقد خلاف ذلك. يقف المبنى الصغير على أربعة جدران تمتد للخلف فترة قصيرة قبل أن تلمح الأشجار غامقة الأوراق تقف مخيّمة لتلقي على الأرض غير المعشبة ظلال مكسورة. في كل حائط، تلمح نافذتين متتاليتين ترتفع تجاه السقف، يبدو و كأنها تسمح بدخول أي ضوء الا شعاع الشمس، في أي وقت من اليوم. الذي له معرفة بالمعمار لوقف لا مبال بهذا المبنى و بتفاصيله، موارياً بيده قائلاً لا يطغى على المبنى أي اسلوب معماري.. ليس لهذا المبنى أي شخصية. و هو الشيء الذي كان لمعتاد الجلوس في الشارع قبالته ذات الرأي، و يشترك معه في الرأي كذلك الشحاذ و الكلب الذي يخرج ليلاً باحثاً عن الديك الذي يفضل أن يوكوك ليلاً و الفتاة التي تخرج من الشرفة المجاورة لتعلق الملابس المبتلة. كل من يرى المبنى لا يراه.. اذ لا يترك أي إنطباع لدى أحد. عملية طلاءه ليست سيئة، يبدو أنه قد تم تجديد طلاءه خلال السنتين الماضيتين. المباني التي تجاوره أحدها مزركش أكثر مما يلزم و الثاني يفتقر الى عملية طلاء فيقبع رمادي و كأنه قد شطب لتوه. هذا ما يتسبب بإتجاه ناظر من يطرق ببصره ناحية المنزل نحو أحد المبنيين، كل حسب شخصيته. فالزاهد في الدنيا ينظر الى البيت المزركش و فمه مفتوح، بينما الذي متزوج من امرأة تعشق طلاء وجهها بالمستحضرات التجميلية ينظر الى الآخر العاري و عينيه مشدوهة. كل هذا يحدث دون أن يفكر المرء كثيراً في البيت غير المعتب هذا، ليثبت الجمهور أنه بالفعل يفتقر الى شخصية. يقال أن الجميل من بره لا يشترط أن يكون كذلك من الداخل، و العكس. يبقى أمل المبنى الوحيد هو أن يكون جميل من الداخل. في الداخل، هناك اتفاق من قبل الغرف على أن تبتعد عن بعضها البعض.. فنجد إتساع لا يظهر عليه المبنى. من الممكن أن يطلق اسم صالة على كل غرفة، حتى الحمام. في ركن، توجد زاوية و في أخرى، توجد أخرى. أما الأثاث، فقد كان قليل و مبتعد عن بعضه، لربما هو على اتفاق مع بعضه كما هي الغرف، لتعمر بأنفسها في أرض الله الواسعة. في الركن الذي هو زاوية يوجد كرسي، و في زاوية هي ركن يوجد كرسي أخر... و في الوسط و كأنها كانت قد وضعت على عجل، طاولة مربعة خالية من الأشياء. رغم أن البيت تسكنه عائلة تميل الى الكبر في الحجم، الا و أنه لا توجد بعثرة و لا حتى صوت يسكن البيت. من الممكن أن تسمع فقط صوت المياه و الصحون تغسل من الغرفة الأبعد من المطبخ أو صوت التلفاز رغم أنه على درجة منخفضة. لا نعرف الكثير عن العائلة و لا يعرف أحد نعرفه الكثير عنهم. المعماري الافتراضي الذي ذكرناه لكان قد ظن الأم أريكة و الأب آلة غسيل و لتجاهلهم مديراً ظهره لما يراه على أنه اختصاص الديكور. المعتاد على الجلوس قبالة البيت في العشيات الحارة لم يلمح أي فرد منهم، بل لم يخمن أن يكون البيت مسكون أصلاً. الشحاذ يتجاهل الباب فلا يقوم بطرقه حتى و لو اعتمد على ذلك حياته. الكلب لا يشمهم و الديك لا يدخل ضجيجه داخل المبنى. الفتاة لا تنتبه حتى عندما تطير قطعة ملابس لم تعلقها جيداً تجاه المبنى لتسقط في الحديقة، فأشترت جديدة. كل من يرى العائلة لا يراها.. لا تترك انطباع لدى أحد. لم تسكن العائلة المنزل منذ فترة طويلة، تذكر السجلات أنهم قد دخلوه خلال السنتين الماضية. تعتبر العائلة ذات دخل متوسط، فلا هي فوق الريح و لا في عداد المحرومين. من ينظر الى السجلات المدنية ليجد كتيب العائلة الخاص بها يتجاوز النظر لمن يجاورها في الرقم الوطني. فيتجه نظر الجائع الى تلك العائلة التي تستضيفه و تطعمه أشهى الأكلات، بينما يتجه نظر المقهوم نحو العائلة التي لا تأكل الا العسل من منحلة الجيران مرة شهرياً. كل هذا يحدث دون أن يرف الباحث جفن و هو ينظر الى كتيب العائلة التي تسكن البيت غير المعتب.. لربما هذا يثبت للجمهور أنها بالفعل تفتقر الى شخصية. يقال أن القبيح ظاهرياً لا يشرط أن يكون كذلك من الداخل، و العكس. يبقى أمل العائلة الوحيد هو أن تكون جميلة من الخارج. في الخارج، كل امرء لنفسه. الأم لا تخبر الأبناء ما يفعلون و لا يصرف الأب على الأبناء. تجلس الأم على الأريكة البيضاء القريبة من النافذة و تطرز، بينما يقف الأب ازاء غسالة الملابس ليغسل شخشيره. الأبناء لا يتشاجرون فحسب، بل يتقاتلون.. و لكنهم يفعلوا ذلك دون أن يحدثوا بعض حتى، و كأنهم على رقعة الشطرنج. من الممكن أن تسمع فقط صوت الغسالة و هي تطلق الماء نحو وسطها أو صوت ابرات التطريز تخبط بعضها و هي تدخل و تخرج القماش. لا يعلم المبنى الكثير عن العائلة. كل ما يعرفه هو كونها تسكنه. يحاول أن يسترق السمع الى أحاديثها و لكنه يقابل بسكون مطلق هو أشد اثارة للإحباط من مجرد الهدوء. و لا تعلم العائلة الكثير عن المبنى. كل ما تعرفه هو كونها تسكنه. تحاول أن تستقر السمع الى احاديثه دون أن توفق، و هذا لحسن حظها و الا كانت لتضطر و أخيراً الى الاعتراف الى نفسها و معارفها بجنونها. يقولوا الحوش من عتبته تبان، و لكن لم يكن هذا هو الحال مع هذا الحوش. عندما تعتقد العائلة أن أحدهنّ قد حسدها، لا تجد مكان لتقوم بنثر الملح منه. عندما يسافر أحد أفرادها، لا تلقي خلف السيارة التي تقله نحو وجهته الماء. عندما تسقط الابنة الأصغر سناً أمام البيت، لا يقوم الأكبر منها سناً بالتظاهر بصفع العتبة لإسقاطها. عندما تقترب النمل من البيت، لا تدخله. لا بسبب عدم شم اي رائحة طعام صادرة عن المنزل رغم تكدس القمامة و تجددها بشكل يومي أمام البيت... و انما لأن النمل يعتقد بما يقال على البيوت . اما ان تكون "عتبته جيدة" او "سيئة". و هنا، في هذا المبنى الذي لا يطغى عليه أي صفة باستثناء ما يفتقده، لا توجد عتبة. البيت لا يعقل له أن يكون سيء. و لا يعقل أيضاً أن يكون جيد. يجعله فحسب غير موجود.

الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

1035

ألف اليوم و ألف بالأمس و ألف الغد.. ألف باء تاء، كيف أكتب مقدمة رواية تكون في حجم تلك التي كتبها نجيب محفوظ لروايته الشحاذ؟ مقدمة تكون مختصر لبقية الرواية دون أن يعي القارئ الى أن يذكر من قبيل استخدام جمل مشابهة. هذا هو النوع من الأدب الذي أريد أن أنتجه: متوازي و متناسق و "راكب على بعضه" من الأخير. أتحدث كثيراً عن الرغبة في الكتابة، حتى أنني أكتب أقل مما كان بإمكاني. هذا سيء. فالأتفادى الامر الآن.
قرأت في مكان ما ان المرء يستطيع تذكر أسماء عدد معين من الأشخاص فقط، ليحتفظ في ذاكرته بعدد معين هو 120 شخص فحسب أو شيء من هذا القبيل... أقول فحسب رغم أن 120 رقم كبير لأنه أيضاً صغير. تخيّل، من بين الملايين و البلايين من الأشخاص على كوكب الأرض و في تزايد، يستطيع عقلك أن يحتفظ بعدد محدود هو صغير جداً من الأشخاص و من ثم يموت دون أن يتعرف على من يشاركه الإهتمامات فقط لأنه لم يكن في دائرة معارفه... المحزن هو أنه من بين ال120، ستعرف فقط حفنة معرفة شخصية من الممكن أن يطلق عليها وصف صداقة.و من ثم هذه الفكرة تجعلني أنا الجشعة التي تحب أن تستكشف نفسيات الناس و الشخصيات المختلفة عالقة في مكان بين أن أعرف الكثير عن عدد صغير أو لا شيء عن بقية العالم. هذا ما يجعل مسلسل مستر روبوت مثيراً للإهتمام. الشخصيات غريبة الأطوار، و الشخصية الرئيسية نفسها كذلك. أليس مثيراً للإهتمام أن يكون بإمكان المرء أن يعرف كل أسرار الناس؟ يبدو ممتعا و مشوقاً..... و لكنه كذلك مزعج لأن نصف متعة التعرف على الغير تكمن في تلك اللعبة التي يلعبها اثنين قد تعارفوا لتوهم، فيحدث نفور او التقاء، ابتعاد او اقتراب، انغلاق او انفتاح. أعتقد أنه من أكثر الاشياء اثارة في هذا العالم، في هذه الحياة، هي لحظات اللقاء لأول مرة. في الحقيقة، تعجبني الفكرة كثيراً، و لهذا أجد نفسي منجذبة لأفلام من قبيل تلك التي لا يحدث فيها شيء الا الأحاديث التي ترينا الديناميكا الانسانية..... غير أنه في الواقع، لا يحدث شيء كما نتخيله. من السهل للغاية أن تضيع فرصة التعارف المثالية لأن احدهم كان يفكر في نفسه، او كان متوتر بشأن التحدث مع غريب، او ما شابه ذلك. و لكن هذا لا يهم، اذ ان المهم هو انها تحدث كما هي. المشكلة هي أنه من السهل أن تضيع فرصة ملاحظة الديناميكا حتى عندما تحدث... عندما يكون شخص ما أكثر اهتمام باللقاء، عندما تلتقي الأفكار لوهلة قبل أن يلحظ أحدهم اختلاف طفيف تضع هوة عميقة بينهم، عندما ينفر الاثنين من بعضهم لأنهم الاثنين أصحاب أنف مرتفع، عندما يحدث سوء تفاهم كبير او صغير او متخيل. من السهل أن تضيع فرصة ملاحظة ما يحدث لأن المهتم بشكل أكبر باللقاء يكون مندمج في اللحظة و مبتهج متجاهل الخارج بينما الأقل اهتماما يكون في وضعية الملل يفكر في طريقة يهرب بها من المحادثة.. من السهل أن تضيع فرصة ملاحظة ما يحدث لأنه عندما تلتقي الأفكار و من ثم تهتز الأرض خالقة هوة، يكون هذا كل ما يفكر فيه المرء: الاختلاف في وجهة النظر و سيصبح غير قادر على تجاوزها حتى و ان ظن انه يستطيع، فتشغل كل تفكيره، في الوقت الذي يحلم فيه الآخر بمستقبل يكون فيه كل من يلتقي بهم على هذا القدر من التفاهم.. من السهل أن تضيع فرصة ملاحظة ما يحدث لأنه عندما يكون الأنف مرتفع، لا يكون هناك مجال لأن يرى المرء أكثر من مناخيره المنفورة.. من السهل أن تضيع فرصة ملاحظة ما يحدث لأن سوء التفاهم يرغم الأشخاص على النظر بأقصى جهدهم للمحادثة، حتى أن أعينهم لا ترى الا الأفكار. غير أن الأمر ليس بهذه البساطة على الإطلاق. و هو ما يجعل مشاهدة الناس بهذه الإثارة. أحياناً عندما أشاهد مسلسل او فيلم به طبيب نفسي يقيّم مرضاه و يتحدث معهم ليكشف أكثر أسرارهم غموضاً، أتمنى أن أصبح مثلهم.. لا فقط لكي أجلس على كرسي أقيّم الناس، بل لأمتلك قواهم السحرية هذه في قراءة الناس بكل سهولة مثل كتاب مفتوح. في وقتنا هذه، بات من السهل التعرف على نفسيات الناس من خلال صفحاتهم و بروفايلاتهم على الانترنت. ما يقوموا بالحديث عنه على الفيسبوك، الصور التي يعرضوها على الانستاغرام، تاريخ تصفحهم و حتى تاريخ تصفح الخرائط على هاتفهم: ان قرروا اخذ الطريق الطويل و انما الاقل ازدحاماً او الأقصر من الممكن أن يشير و لو قليلاً الى قواهم على الصبر. و لكنني أعود هنا لأخبر نفسي قبل غيري أن الأمر ليس بهذه البساطة، و لا يفترض بالبشر أنفسهم أن يكونوا بهذه البساطة.. و لا أرضى أنا نفسي أن أكون أحادية البعد أتحدث عن موضوع واحد و لدي عادات أقوم بها دون تفسير مطوّل.. غير أن هذا هو بالضبط ما قد يراه غيري. لا أحد يرى أبعادك كلها. بإمكان أشخاص مختلفون أن يروا أشياء مختلفة فيك.. فتكون أحادي البعد لدى كل واحد منهم و لكنك مجتمعاً تكون أكثر تعقيداً. تخيل أن يكون كل شخص من الـ 120 التي يقول العلم أنها حد ما يمكن أن تعرف من الأشخاص في وقت واحد، شخصيات أحادية البعد، تعرف عنها أنه لديها لون مفضل و اسم عائلة و ملابس معينة و لربما معلومة واحدة عميقة... كل هذه الصفات مجتمعة بإمكانها أن تكون من تلك التي يكون عليها الشخص الواحد حقيقة، اذا ما نظر إليه من وجهة نظر ليست فقط متعددة الأبعاد، بل خارجة عن منطق الأبعاد نهائياً. اذا، هل أنا مجرد رقم و اسم و حقيبة من الصفات لدى أشخاص مختلفون أتعرف عليهم؟ ماذا عن عائلتي؟ لا بد أنها تعرف عني أكثر مما يعلمه الكثيرون و لكنها لا تعرف كل شيء. ماذا لو قام الشخص بإخبار شخص مختلف عن كل صفة يمتلكها، بحيث أن كل شخص يعلم عنك شيء وحيد. ماذا لو قمت بإخبار كل شيء عن نفسك و لم تترك شيء لم تقوم بإخباره.. لازلت أعتقد في هذه الحالة أن شيء ما لا يدركه الشخص نفسه – شيء متبقي في مخيلته او لاوعيه – سيكون الشيء الذي لن يتم اخبار غيره به. سيظل المرء مهما حاول، عصي عن أن يفهمه الغير، فهو الذي لا يفهم نفسه حتى.. غير أنه كان ليكون مختلف لو نظر الى الشخص بتجرد عالي ليس الا تصنيف كل الأفكار المتشابهة في صندوق، و تصغيرها حتى لا تصبح شيء يميز انسان عن اخر، ليقال أن المرء قد تم فهمه و أخيراً. لا أعرف ما أقول في الحقيقة. كل ما أردت قوله هو أن الإنسان معقد للغاية لا يمكن لشيء من هذه الأحاديث ان تبسطه... و بأنني أحب الأشخاص و لقاء الناس أول مرة و التعرف عليهم و على خباياهم شيء فشيئاً.. و بأنني أحب أن أكون مشاهد خارجي على اللقاءات، و ذلك ممكن ان نجده في الأفلام: ثلاثية شروق الشمس!!!

الاثنين، 15 أغسطس 2016

652

قرأت أو سمعت أو شاهدت يوما ما شيء عن ذوق المرء في الموسيقى. ما قرأته أو سمعته أو شاهدته تحدث عن أن الذوق الموسيقي يتطور عند المرء في شبابه، و من ثم يتوقف عند الكبر ليستقر الشخص على نوع معين من الموسيقى. الأسباب تتعلق بعلم الأعصاب. اذا لو استمع المرء الى أغاني من طراز معين في شبابه، ستصبح هذه الموسيقى المفضلة لديه مستقبلاً و لن يتغير ذوقه الموسيقي لأنه لا يتطور بعد الآن. يخيفني هذا بعض الشيء.... بل كثيراً. أحرص على الاستماع الى كل شيء أستطيع أن أطيقه و أن ابقي بالي منفتح على الموسيقى المختلفة التي تأتي طريقي. استمع الى اغاني الرأي المغربية و الراب الأمريكي و أغنية "نشطح وين يجي" التونسية و تايلور سويفت و كايتي بيري و أغاني الثمانينات و بينك فلويد و أغاني عشوائية سمعتها في مكان و لم أرضى حتى سكنتها بالإستماع إليها مراراً و تكراراً على مدى أيام كما هو الحال اليوم مع أغنية "موديرن لوف" التي سمعتها في فيلم "فرانسيس ها". تخيفني فكرة أن يتوقف ذوقي الموسيقي عن التطور قبل أن استمتع الى كل تلك القطع الموسيقية الكلاسيكية التي يقال أنه ينبغي علي أن استمع اليها، قبل أن أعطي الروك حقه في الاستماع إليه بتريث، قبل أن استمتع بالزمزامات الليبية لأنني اشتقت الى قطعة من ليبيا، قبل أن استمع الى كل شيء. الأمر مخيف لأنه يشبه أن يقال لي أن ذوقي في الطعام سيتوقف عن التطور يوماً ما، و سأجد أنني سأريد تناول شيء واحد معين بقية حياتي. لن أغيّر رأيي مثلما غيرته بشأن الياغورت الطبيعي و الكبدة و الملوخية و الكرموس. لو لم أغيره الآن، فإنني لن أغيّر رأيي بشأن الفلفل الحار او كثرة المكرونة او الحلوى اللزجة. أن يصبح المرء مقيّد في خياراته بسبب الظروف الخارجية لهو سجن، اما أن يتقيّد المرة في خياراته بسبب أمور بداخل رأسه، بسبب تحطم حاسة التذوق عند التقدم في السن.. فهو زنزانة صغيرة أنت الوحيد الذي تملك مفتاحها و لكنك ابتلعته خطأً و هو عالق الآن فوق بنكرياسك.
و ماذا عن أشياء أخرى؟ ...أذواقنا حين يتعلق الأمر بأشياء أخرى من قبيل ذوقنا في الملبس و الأشخاص و الكتب؟ ..كيف يتطور المرء و يتحسن عندما يصل مرحلة يصبح فيها تلقائياً النسخة الأخيرة و الباقية منه؟ و هل تلك المرحلة هي المرحلة التي نصبح فيها النسخة المثالية عن أنفسنا؟ الأمر مخيف. لا لأنه واقع- اذ ليس واقع-، و إنما لأنه يمثل فكرة أن المرء عليه أن يحرث البحر ليتحسن قبل أن يصل المرحلة النهائية. 
"قرأت أو سمعت أو شاهدت يوما ما"، هذه العبارة تمثل الشخص الذي وصل الى مرحلة الرقي - المرحلة النهائية الأخيرة. نسميها مرحلة الرقي لأنها أعلى مرحلة نصل اليها... رغم أنها قد لا تكون أعلى مرحلة ممكنة بالنسبة لنا. "قرأت أو سمعت أو شاهدت يوما ما" لا "سأقرأ أو اسمع أو أشاهد يوماً ما". 
في محاولة تصقيل مهارة الكتابة، هذه الألف تبدو استثمار جيد للوقت و الجهد... و لكن السؤال هنا هو ماذا لو كان من الممكن تطبيق الدراسة العلمية هذه عن الأذواق على المهارات.. فنتخيل أنني وصلت الى مرحلة الرقي الكتابي. ليس بوسعي التحسن بعد الآن. لربما يحصل هناك نوع من الاستمرارية و التوازن، فأكتب بالأسلوب ذاته دون أن أمل.. و لكن هل سأرضى إن علمت أنه كان بإمكاني أن أصبح أفضل؟ ..بل هل كنت لأحب الكتابة دون دافع تحسين نفسي؟ 
أتحدث دوماً عن التقدم في السن و من ثم الإنهيار الذي يصاحبه. أعترف بأنني أخشى أن أكبر. أخشى أن أتغير الى الأسوأ. لازلت أحب أن ألعب. اليوم اشترت أختي الصغيرة البالغة من السن 12 لعبة. حاولت مساعدتها على إختيارها و لكنها تجاهلت ما أفكر فيه الآن على أنه نتاج استقرار ذوقي على شيء بعيد عن ما تراه هي على أنه جميل. لا زلت أحب أن ألعب حتى أنني أشعر كالهبلة في أحيان كثيرة و أحتاج الى من يذكرني بأنني لست في الثامنة من عمري بعد الآن. 
التقدم في السن يخيفني.. غير أن هذا جديد. عندما كنت أصغر كنت أريد أن أكبر في أسرع صورة ممكنة. كنت أريد أن أصبح أكبر سناً حتى عندما رأيت الكبار يعانوا مشاكل أكبر منهم هم الكبار. الآن، لا أريد للزمن أن يتحرك. لا سيطرة لي عليه. لا إمكانية توقيف 

الأحد، 14 أغسطس 2016

1003

أصبحت الساعة واحد بعد منتصف الليل، و هكذا قد دقت أجراس بداية الألف. أريد أن أتحدث عن الشخصيات التي ربطت نفسها بي اليوم، عن قصص الكاتب الشاب الليبي الذي دوّرت رأسي، عن شعار الحصان الموجود في محطة البنزين و الذي جعلني آتسائل: ان كنت سأكتب من أجل أن أكتب فحسب، لما لا أختار رمز عبثي مثل هذا الحصان و انطلق معه؟ 
آيقونات الوجودية العبثية ربطت نفسها بي اليوم، فقرأت لكافكا و من ثم القليل من سارتر و من ثم الكثير عن كاميو.. و طرقت بالي فكرة أن يكون كل يوم حلقة مختلفة عن حلقة اليوم الذي سبقها او الآتي، في مسلسل أكون بطلته... و حيث كل حلقة متلاعب بها حيث يصبح لقائي بهؤلاء الأيقونات مخطط له، لربما لكي تسقطني في هاوية الكآبة. و من ثم أكف عن هذه التساؤلات الفارغة عن المعنى. 
أشعر بالرغبة في الغوص في النوم. ليست بذات الطريقة التي غطست بها اليوم في المياه المالحة لألتف تحت الماء سبعة مرات، بل بدون جهد.. الغوص تحت الغطاء الموف و البقاء هناك حتى أنال كفايتي من النوم. هذا لن يحدث قبل أن أصل الألف كلمة.. حتى و لو كانت هذه الكلمات الألف خالية من المعاني. 
قرأت قصص للكاتب الشاب محمد النعاس، و وقعت في حب قصته الواقعية عن الفترة من حياته و هو طفل التي قضاها مع جده. قصة الكاغط. حاولت قراءة قصص أخرى له على مدونته و لكنني لم أرغب بالحرب و لا قصص ضياع الشباب. رغبت في قصة ظريفة عن الطفولة فنلت أكثر من ذلك بكثير. نلت قصة الكاغط و التي من الممكن أن يعتبرها المفتش التاريخي مستقبلاً نقطة إنطلاقه في الكتابة. أعتقد أنه بطريقة ما، حتى و إن لم تكن تلك الذكرى التي أختارها نقطة إنطلاقه نحو الكتابة، حتى و إن لم يكن بسبب الراعي أحمد أو جده، هي في الحقيقة لا تزال نقطة الإنطلاق لأنها النقطة التي أختارها. نحن نكتب قصصنا بأنفسنا. الذكريات التي نعتبرها مهمة في حياتنا ليست مهمة لأنها المشكل الحقيقي لمستقبلنا، بل لأنها تمثل "من نريد أن نكون"، هي ليست نحن و لكنها من سنكون إن تمسكنا بها. لو قررت أنني أريد أن أشير الى أنني اقرأ الصحف و مجلات الأطفال على المرحاض في سن السابعة بإعتبارها اول علامة لحب القراءة، لن يهم ما اتذكره عن الإبتسام زهواً عندما أمسك كتاب كان في الواقع كتاب أختي التي تكبرني سناً و لكنها ترفض قراءته لأجد لوم أمي لأختي بإستخدامي، أنا الطفلة الصغِِيرة التي لا أتذكر عمرها، و هي تقول "ماشاءالله عليها اختك تقرأ في كتاباتك" .. و و لكنه لن يهم ما أتذكره أيضاً عن اختيار اخراج الكتاب نفسه مراراً و تكراراً من المكتبة، كتاب صور دون كلمات، كان علي أن اقرأه مع بالغ كـ واجب مدرسي. لتفادي الحرج في النطق الخاطئ، أخرج نفس الكتاب. بين هذه الذكريات المتنافرة، أختار طيفي الجالس على المرحاض، متظاهرة بقضاء الحاجة حين يوجد من يخبط على الباب في حاجة لإستخدامه و أنا أطالع االصفحة الأخيرة حيث توجد لأخبار التافهة المسلية و التي تشابه عناوين معاصرة من قبيل "رجل يطلق زوجته لأنه يراها دون ماكياج"، أبحث بهلع عن النكتة الفائزة في المجلة لأقرأها قبل أن تخبر أختي والديّ بإختفائي داخل الحمام، أحلم بالمشاركة في مسابقة مجلة ماجد. و من ثم ما أخبرتني به أختي ذلك اليوم و جعلني أستغرب نفسي و في ذات الوقت ألفها: ما قلته لها سراً عن مشاركة زميل لنا بقصة له في مجلة الأمل - عن كونها كليشيه غير متمايزة، عن كونها قصة مكررة و غير جديدة. استغربت نفسي. أنا لازلت أحاول كتابة القصة التي تخلو من كل ما وضعته على قصة الطفل. أنا التي كانت تكتب ذلك الوقت نصوص بنهايات متوقعة كل التوقع. كيف لي ان اقول شيء يشي بهذا الكم من الحقد؟ و لكن آتت الإجابة بالنفي من أختي و هي تخبرني أنني لم أقول هذا عن حقد، بل عن قناعة شخص مجرب. هنا، في هذه الذكرى غير المتذكرة من قبلي، أجد أحجية الذوق الذي يرفع أنف صاحبته نحو السماء قد أضيفت. نحن نختار الذكريات التي تعني لنا أشياء معينة. من هذا الباب، اتساءل إن كانت قصة الكاغط نقطة إنطلاقه، او اذا ما كان الكاغط مشبك ورقي يذكّرنا بموضع القراءة. 
شعار الحصان الموجود في محطة البنزين كان شيء وقعت عليه عيني عندما كنت اتساءل عمّا سأكتب اليوم. أتت الإجابة من الشعار أو الحصان، بنوع من التحدي: أنا. كل ما عليك فعله هو تذكري. تذكر الكيفية التي يقف فيها بين إطار الصندوق التجاري الموضوع أعلى المحطة. لونه الأسود مقابل خلفية سوداء. كونه يركل الهواء بحافر و يضع الآخر أرضاً. ما هو الدور الذي يلعبه الحصان المسكين هذا؟ لا بد أن الوقوف هكذا، ثابتاً في مكانك دون أن تنفخ فيك الروح، لهو مرهق كل الإرهاق. يذكرني قليلاً بأن يعمل المرء عارضاً للأزياء. مقابل كل السحر الذي تضيفه مهنة عرض الأزياء على الشخص، لا بد أن يكون هناك نوع من عدم الراحة في أن يعمل المرء بشيء ولد به من أجل خداع الناس على شراء سلعة ما. حسناً، لدي معاداة متأصلة للجمال التجاري، و أخرى مكتسبة لفكرة الجمال الظاهري. أعلم عواقب التفكير بهذه الطريقة. أعلم أنه هناك جهد يبذل من أجل أن يصبح المرء بداخل هذه المهنة، و أعلم أنها ليست المهنة الوحيدة التي تقوم بهذا الشيء. فـ ماذا عن أصحاب العقول التي تفكر بطريقة استراتيجية تعمل على تحقيق ذات الأهداف المتوقعة من العارض؟ عن مصممي المجوهرات؟ عن بائعي الماكياج؟ ...و من ثم مشكلة النفاق التي هي في الواقع أول مشكلة. انني أجلس هنا و أظافري مطلية، و ملابسي تخرج من الدولاب و أصفق لشخصيات هاوس اوف كاردز الخبيثة. أدين هذه المهنة و أنا أبتسم للأسطر التي تتحدث فيها مقالة عن كاميو و جماله و جاذبيته.. ذات الشيء الذي أهنئه في كاميو أرفضه في عارضة أزياء في الوقت الذي حاول هو بيع فيه الملابس القبيحة. حسناً، لا يهمني هذا كثيراً. لا يهمني أن العالم مقلوب رأساً على عقب بسبب التحكم بهذه الطريقة غير الواقعية..... لا ادري ما أقول. أصبحت بعد الثانية صباحاً و أجد عيناي مغمضة كل قليل.َ الحقيقة هي أن الرأسمالية تزعجني نظرياً و من ثم تعجبني نظرياً و من ثم تضربني عاطفياً و من ثم تجعلني أفكر في العاملات، و أجد أن إغلاق عيناي كل دقيقة ليست عذر و لكنها تبقيني بعيدة. تبقي الأفكار هذه بعيدة عن رأسي، منقاري لا يسعه أن يخرج كلمات أكبر منه و لا أن يبتلعها. سأرقد و أنام و أستيقظ بالغد أكرر اليوم و من ثم أرغب في الغوص نوماً ثانية. 

السبت، 13 أغسطس 2016

1039

اتساءل ان كان الأشخاص الذين يملكون ذاكرة فوتوغرافية من هواة التصوير.. هل يعقل ان تتغلب صورة جامدة في أيديهم على تلك الحية النابضة في ذاكرتهم؟ أم أن للأشياء الملموسة وقع أكبر على النفس من تلك الصادرة عننا؟ ..لربما الاجابة في السؤال الأخير: مهما كانت قدرتنا على اخبار أنفسنا بشيء عالية، نبقى نتمنى أن يقوله لنا شخص أخر. حتى و لو عرفنا الاجابة، نزيد اطمئنان عندما نسمعها من غيرنا. و في الوقت الذي نرى فيه المنظر الجميل أمامنا، نصر على ان نلتقط صورة حتى نتأكد من ان المنظر لن يذهب الى أي مكان حتى و ان تحطم او ذاب او تفرقع. حسناً، السبب وراء التقاط الصور لا بد من أن يكون أكثر تعقيداً من ذلك، و به أكثر من سبب... غير أنني لازلت اتساءل ان كان من يملك ذاكرة فوتوغرافية يحب ان يلتقط الصور.. و ماذا تمثل له الصور. بعيداً عن فكرة أن الصور من الممكن أن توفر فرص لمشاهدة ما لم تره عيناك، انني اتحدث عن التقاط الصورة لا فقط النظر اليها، التمعن فيها. ما هو الدافع وراء التقاط الصور ان لم يكن لها ضرورة عملية؟ هذا هو ما اتساءل عنه. 

أتخيل شاب حاد الذكاء، لديه ذاكرة فوتوغرافية، و لكنه يقف في غرفة مظلمة يعمل على تحميض فيلم به صور التقطها لمدينته التي يلفها الغبار. كان دائماً من الأوائل على فصله أيام الدراسة المدرسية، دون أن يضطر الى أن يبذل جهد كبير. كل ما كان عليه فعله هو النظر الى المقرر و من ثم يسترجع الصورة أثناء الإمتحان. كان غيره يغش بأن يحاول أن يحضر معه الكتاب ليتصفحه أثناء الإمتحان، و لكن هو لم يكن يغش، بل كان يستخدم هبته الإلهية. علم أنه كان مختلف في ذلك الوقت تقريباً، اذ أنه عاصر تطور ظهور الهواتف النقالة المختلفة قبل أن يستقر العالم على مختارات من النوعيات المتشابهة، فعاصر الهاتف الذي لقب بالبكلاوة، و الهاتف العريض و القبيح الذي حمل أكثر صور مما حملته البكلاوة، و الهاتف الملوّن، و الهاتف الذي يغلق من أعلى.. و في كل هذه الهواتف المختلفة، عاصر أيضاً تطور الكاميرات منذ بداية ظهورها حتى ما نراه اليوم و قد أصبحت الهواتف كفيلة بسد رغبة الموّثق في التقاط صور ذات جودة. عندما أحضر احد تلك الأيام أخاه الكبير هاتف يحمل كاميرا الى البيت، حاول في كل فرصة ممكنة ان يستخدمه، لا ليتصل بأرقام غريبة و يضحك، و لا ليستفسر عن اجابة سؤال ما في الواجب، و لا حتى للإتصال ببيت من اعتقد انذاك انها حبيبته.. رغم أنه استعرض كل هذه الأعذار أمام أخاه الكبير الذي كان لديه حس فكاهي مزعج و صبر محدود في مواجهة المكتوب و قلب كبير، فقط لكي يستخدم الكاميرا. التقط صورة الرخام الفارغ من الغبار، و التقط صورة لأمه و هي ملتفتة تغسل الصحون، و التقط صورة لحشرة غريبة رآها في حديقة البيت.. و من ثم نظر اليها و قام بمسحها. احتفظ بها في ذاكرته كما هي في الصورة و حذفها من جهاز أخاه. 

لقد وجد مجسم صغير لعقله. و كان عازم على النظر الى داخله، و مصرّ على ان لا يكشف عن ما يراه. فقد وجد مجسم صغير لعقله. 

اتجه الى التفكير في ما يمكن أن يكون السر وراء التصوير، و من ثم عندما نضج اتجه الى الرغبة في تعلم التقنية التي هي وراء الكاميرات هذه التي تستطيع ان تلتقط العالم في ثانية محددة من التاريخ و من ثم تترك اثره على الشاشة. 

عندما كبر و تهيأت الظروف لذلك، امتلك هاتفه الخاص.. لم يكن يعلم الكثير عن مواصفاته و لكنه كان يعلم بجودة الكاميرا. أصبح غير مضطر الى التظاهر بالرغبة في الانخراط في ألعاب صبيانية، و لا الى تجاهل نجاحه الدراسي، و لا الى إخفاء غيرته على من قرر أنها له. 
و لهذا السبب، ظن الجميع أنه قد نضج. 

مع كاميرته في جيبه، أخذ بإلتقاط كل شيء، كبيراً كان أم صغير - بالمعنى الحرفي و الواقعي -. ألتقط واجهة الكرسي و واجهة البيت، زمرة من النمل تتدافع حول فتات خبز و زمجرة قط، الحبوب التي خرجت على أنفه و حبوب فيتامين الشعر الخاصة بأخته. مع كاميرته في جيبه، تعلم أن يعيش داخل رأسه و خارجه. فقد وجد مجسم صغير لعقله، يمكنه من كلا الخيارين. 

أما ذاكرته الفوتوغرافية، فهي لم تصبح مزعجة الا بإنتهاء مرحلة الدراسة حيث لم يكن بحاجة اليها.. في حين أصبحت سبب في مشاكله الخاصة. في عمله المكتبي الذي يضطر فيه الى مراجعة مستندات و تقارير مالية، كان قد تلقى تعليمات خاصة من مرؤوسيه بأن يتجاهل أي خطأ في الأرقام بعد أن اكتشف في أول اسبوع من عمله خطأ الكثير من الأرقام ليكتشف لاحقاً أنها مقصودة. أصبحت سبب في مشاكله الخاصة، اذا جاز لنا أن نضع تعذيب الضمير في هذه الخانة. أصبحت لعنة، اذ يرى كل التقارير المغلوطة و من ثم المتجاهلة من قبله ماثلة أمامه في ذاكرته الفوتوغرافية. يتأمل الرقم و من ثم يحاول أن يزوره عبر طلاءه باللون الأحمر و لكنه لا ينجح كما لا يمكن أن ينجح من يقوم برسم دائرة بالخطاط على الشاشة و من ثم يتغير موقع الصورة لتصبح الدائرة خارجة عن السياق. 

مع كاميرته في جيبه، ألتقط كل ما تسعه عيناه في إطار. ألتقط ظل العجلة الخلفية للسيارة، طلاء أخذ بالتقشر من حائط الحمام، سلطة خضراء لم تغسل، حذاء أخته المقلوب. مع كاميرته في جيبه، تعلم أن الواقع أكبر من الصورة و لكنه أختار الصورة لأنها من الممكن أن توضع في إطار، أن يتحكم فيها، أن توضع أمام العين. لقد وجد مجسم صغير لعقله، يمكنه من أن يختار شيء على الآخر. 

أما ذكاءه الحاد، فهو يزداد حدة مع اختلاطه بالتجارب و الاختبارات.. و لكنه بفضل كل هذا علم أنه لن يدوم. سيستيقظ في يوم من الأيام و سينسى أين وضع مفاتيح السيارة الى أن يجدها في يده اليسرى. سيسأله ابنه في يوم من الأيام عن رأيه في مسألة تاريخية ما و سيجيبه بتعصباته و انحيازاته دون أن يدرك. ستصعق زوجته عندما يقبل على مناداتها بأمه، و سيصعق هو عندما يدرك أن أمه قد توفت منذ سنوات و قد نسى. بعد أن يصل ذكاءه قمته، سيسقط. في البداية سيسقط على مهله، دون أن يحدث جلبة و لكن مع الوقت، سيندفع اندفاع لن يدرك حتى أنه يحصل؛ سينسى ان يشتري الحليب الذي كان على قائمة التسوق، و من ثم سينسى عيد زواجه، و من ثم سينسى أن يتبول.. و في النهاية سينسى أنه قد نسى.

مع كاميرته في جيبه، يلتقط ما يريد لذاكرته الفوتوغرافية أن تنساه عندما لا يبقى بإمكانها أن تربط بينها و بين صلتها بالواقع، لتبقى النسخة الجامدة لمن يجرء على نبش الماضي. يلتقط صورة للبيت، و للزوجة، و للأبناء. يلتقط صورة سيلفي دون أن يبتسم.
لقد وجد مجسم صغير لعقله، يمكنه أن يتآمر عليه.

الجمعة، 12 أغسطس 2016

366 :(


شكت من ألم في معدتها و وصفته على أنه وخزة حارة تجعلها تشعر بالإنتفاخ.. و من ثم عندما لم تدوم الآلام و توقفت أن تكون مسموعة، أصبحت تشكو من ضيق في التنفس وصفته على أنه شعور بالضيق يجعلها تنفث اكثر هواء مما تستنشق.. و من ثم عندما أخبرها الطبيب أن تنفسها بهذه الطريقة طبيعي و أنها لا تشكو من مشكلة، أصبحت تشكو من صداع رهيب وصفته على أنه رنين في الجزء الأيمن من رأسها يجعلها تهتز معه.. و من ثم عندما عادت الى تناول القهوة و توقف الرنين و قررت أن الصداع كان نتيجة التوقف، أصبحت تشكو من سلسلة من المشاكل الجسدية الأخرى لم تدوم بل انتهت قبل أن تصبح المشكلة أكثر خطورة. أعراض ما قبل الدورة الشهرية، الغثيان، آلام الحيض، خروج ضرس العقل، حبة على اللثة، وجع الطول، ارتفاع حرارة، حنجرة جافة، كدمات خرجت من وراء الليل.. تشابهت كل هذه الآلام المختلفة في كونها تخرج فيها الأسوأ فتجدها تئن على مسمع الجميع او تتذمر من ارثها كأنثى او تعلن عن انتهاء البانادول عبر صفق باب الدولاب. و رغم أنها أصبحت على معرفة وطيدة بالمصحة المسجلة بها لكثرة زياراتها، الا و أنه لم يتم تشخيصها بشيء مما تشكو منه. في طريق العودة و هي تتناول بعينيها محل المواد الغذائية الذي يبعد عشرين خطوة منها، تناهى على مسمع منها امرأة تشكو من وجع برأسها، و لكنها تتجاهلها. في المحل، و هي تختار بين الخبزة العريضة و الخبزة الطويلة، دخلت المرأة لتسأل صاحب المحل ان كان يبيع البنادول ليجيبها بجفاف ان محله ليس بصيدلية، غير ان المرأة لا تقبل صده لتسأل ان كان لديه زيت البابوناج ليجيبها بصوت أكثر جفاف ان محله ليس بمركز علاج بالأعشاب.. 

*حوار بين الشكاية و بين العزوز عن الآلام.. و من ثم استنتاج بأن الشكاية تدور في مشكلة في نفسها بالسيف*
النهاية

لن استطيع أن أكتب أكثر من هذا هنا. حاولت. بقيت أنظر الى الشاشة زي الزومبي و لكن لا جدوى. سأكتب في مذكرتي الرمادية التي تجلس بجانبي. أعتقد أن 1000 كلمة هي حوالي 6 صفحات على ورق A5.. سأكتب 6 صفحات على الأقل. سبب اختيار الكتابة على الورق هو كونه ابسط و مجال الكتابة دون انقطاع سيكون أكبر لأنني أحتاج الى ملامسة شيء واقعي اليوم لأن اليوم ليس يومي.. اليوم عشت كثيراً بداخل أسوار عقلي و لذا أحتاج أن أنهيه بكلمات ملموسة. 

الخميس، 11 أغسطس 2016

1034

ماذا ان كسرت الألف كلمة في ثالث يوم و خلدت الى النوم بدلا من طباعة كلمات دون فكرة عن وجهتها؟ لن أفعل ذلك.. ليس في ثالث يوم. ظننت أنني قد أفعل، حتى قرأت كلمات كتبتهم رؤيا، جعلتني أتمنى أن أخلق من كلمات اليوم ربع ما خرجت به. فالأتحدث عن لون طلاء الأظافر هذا الذي أراه يلمع في ظلمات هذه الغرفة، طلاء ذهبي يعطي إنطباع أنه أخضر حينما تغير زاوية الإصبع. طلاء الأظافر الذي يأتي مصاحب لكل تلك الاحداث التي لم يسر لوالد آن فرانك أن يطبعها مع بقية مذكراتها.. طلاء الأظافر الذي نسميه طلاء الغالكسي لأنه يوّلد انطباع انه قادم من الفضاء. طلاء الأظافر الذي بأمكاني ان اتهمه زوراً بكونه يمثل غطاء يمنع تسرب الكلمات من صنبور اصابعي نحو المفاتيح الكمبيوترية.. غير أن الحقائق التي تشير الى أنني كنت غير قادرة قبل ساعة من الآن كافية لتضحد ذلك الإتهام. فالأراجع اليوم لأجد السبب. كانت لدي حصة قيادة سيارة بعد حوالي اسبوعين من عدم التدريب و وجدت نفسي أعود الى خانة المبتدئة جداً. ركبت السيارة و لم أعلم ما أفعل. وجدت العجلة رخوة، و الأشياء التي تضعين رجليك عليها حتى تتحرك (نسيت اسمها) كذلك. تحوم برأسي أفكار عن العالم خالية من ما كنت بحاجة الى معرفته تلك اللحظة، و هي كيفية تغيير المارشة.. متى أتوقف.. ماذا أفعل عندما تقترب مني سيارة. طار كل ذلك من رأسي مثل سيارة الفورملا وان التي أريد أن أقودها.. و لكنها تتحطم في الجدار و تتهشم عظامي و انتهى. قبل ذلك كنت أطير من الفرحة. قبل ذلك كنت اسمع أغنية من الفيلم الذي أفقدني رأسي و أرقص رغم انني راقصة رهيبة. أطير من الفرحة لأن الفيلم الذي شاهدته أيقظ فيّ مشاعر نسيت إمكانية الشعور بها. فرانسيس ها 2012 جعلني سعيدة، و فقط بعض الأفلام المشابهة أتذكر أنها وضعتني في مزاج مناسب. بلو جاسمين لـ وودي ألن، أفلام صنعها ذات المخرج الذي أخرج فرانسيس ها، فيلم نسيت اسمه و لكنني أتذكر أنني قلت عنه "هونتينغلي بيوتيفول" بعد أن شاهدته سنوات مضت. أيقظ في الفيلم إضافة الى مشاعر، أفكار عن كوني هذا الشخص بالضبط في داخلي. و لو كان الإنسان حقاً أكثر من إنسان واحد، انني أختار أن أعترف بفس واحدة هي تلك التي تخرج عندما أشعر بالنشوة العقلية هذه التي لا أعلم كيف أصفها... لا أعرف ماذا أقول حتى. أعلم أن كلماتي هذه غير متناسقة، غير متوازية، غير مستوية.. كلماتي ملخبطة، مبلبزة، جافة.. و لكنها كلمات تخرج صادقة على السطح. كلمات بدت أكثر صدقاً بالأمس و أكثر حتى في اليوم الذي سبق ذلك.. و لكن هذه الكلمات صادقة من نوع أخر. تخرج عني دون تفكير مسبق، دون تخطيط، دون تفكير حتى هذه اللحظة. و لكن ماذا يقول هذا عن الكلمات المتناسقة التي تأتي بعد تخطيط و بعد تفكير و بعد مراجعة؟ فقط أنها جديرة بما يخرج مني. و لكن ماذا عن تلك الأفكار التي تأتي لي في الحمام؟ حتى أنني قلت لأمي بأن الجنون لا بد أنها توشوش لي بالأفكار تحت دش الماء الساخن، على المرحاض، أمام المرآة.. و من ثم تختفي الأفكار حالما أخرج من الحمام، أو عالأقل تبدو لي مجنونة و مهمة لست على استعداد للقيام بها. ألحقتني أمي باستيعاذ بالله جعلني أشعر و كأنني أدخلت أمي معي للحمام.. و لكنني لم أفعل، كل ما فعلته هو مشاركة حقيقة جعلتني استغرب و نكتة جعلتني أضحك بيني و بين نفسي. هل يعقل أن يرتبط الأمر بطفولتي التي قضيتها اقرأ مجلة ماجد و الأمل و الصحف الأخبارية على المرحاض؟ أم يرتبط بكوني كنت أحب أن أتخيل عملية تحويل أي حمام كنت أقضي فيه حاجتي الى غرفتي الخاصة. فيصبح المرحاض كرسي، البانيو سرير، اللافاندينو الشكماجة.. و كل ما بين ذلك أشياء أخرى أزين بها غرفتي كما يحلو لي. أجد نفسي لا أزال أفعلها أحياناً... لا أزال أقوم بتسلية نفسي بتخيل تغيير ديكور ما تعتبر أوسخ غرفة في البيت الى غرفتي الخاصة... في نكتة أعتقد أنها قد تكون شيء تتفق عليه أمي و إحدى شخصياتي المتعددة، بالأخص تلك التي تعتقد أن كل شيء يجب أن يكون مرتب. كل شيء يجب أن يكون نظيف. 
يبدو لي فجأة هدف ال1000 كلمة ثقيل اليوم. يبدو لي مثل الحلم الذي كدت أقبض عليه قبل أن يطير مثل الحمامة الكريهة.. و أجد نفسي اتساءل، لما لا 750 مثل ذلك الذي قرأت عنه بعد عملية بحث غوغل عن الكتابة.. و من ثم اتساءل، لما الكتابة حتى؟ لما لا أحاول أن أتنفس 1000 مرة، أو أقوم ب1000 ركلة في الهواء، أو أسبح بحمد الله 1000 مرة؟ لما أنا مصممة على أن أصبح كاتبة حين كل ما أستطيع إنتاجه هو أشياء أتمنى أن أقرأها 1000 مرة لأجد الغلطات؟ بل لما اتساءل و لما لا أغلق فمي و أتوقف عن النحيب المكتوم دون صوت هذا؟ .......... و لأنني أتنقل بين الصفحات مثل الشريد، و أكتب كلمتين لأقرأ عشرة، أجد أمامي عبارة أترجمها بركاكة: الذي يهم هو ليس كم أنت جيد، بل كم تريد أن تكون جيد. و أعتقد أنها اشارة.. أول شيء، تأتي لي الإشارة بكلمة "جيد" و تخبرني أنني جيد. هذا جيد. و من ثم تذكرني بأن كل هذا لا يهم.. بل ما يهم هو رغبتي في أن أكون جيد. هذه الإشارات التي نختارها بين كل تلك الوقائع المختلفة و نقرر أنها اشارة و لهذا بالضبط هي مسكينة، و مظلومة و متآمر عليها.. لأنها لا تريد أكثر من الظهور في الخلفية، مثل صديقتها الآريكة، لا أن يتم جرّها الى أحلام و أمنيات غيرنا. الأمثلة على ذلك كثيرة.. مثلاً ان يذهب شخص الى مكان بإستمرار ليلاحظ في اليوم الذي ترتدي فيه حبيبته اللون الأحمر أن هذا المكان به وردات حمراء.. أو مثال أخر هو كلمة الـ "أماني" التي وجدتها متكررة في قصة رؤيا التي جعلتني أفكر، لربما هذه إشارة خاطفة الى فطومة القصقاصة، لربما لتخبرني أنها هي أماني و أن بطلة قصتها لهي هي. نعم، صدف مسكينة نلعنها بحياة من الشقاء و العذاب فقط لنشعر بإلتقاء الخيوط الكونية.. و لكنني لا أعتقد بذلك حقاً. الجزء عن كون الصدف مسكينة هو كذبة ممتعة لربما هي صدفة في حياة كائنة أخرى. ربما لو وعى جهازي و قرأ كل هذا الكلام لظن أن هذه صدفة، دون أن يكون قد اندفع خيط ليلتصق بهذا الا خشية من ملل قاتل يلاحقهم من مثل ذلك الذي يلاحق شخص يندفع رأسه أسفل مريد النوم، فيجره عقله نحو الأعلى تجاه الشاشة ليصل الى هدف اليوم. في ملل لا يكل أن يشبه ذلك الذي لاحقني و أنا أتعلم العودة بالسيارة الى الخلف، فأضطر الى تدوير نصف جسمي و كل رأسي لأتأكد من أنني لا أصدم المارشابيدي.. و لكن لربما أريد أن أفعل ذلك.. أو لربما فعل ذلك يخرجني من كسل الملل. في كل الأحوال، لقد وصلت الهدف لأتوقف متمنية الحظ في ألف الغد.

الأربعاء، 10 أغسطس 2016

1011

ألف كلمة جديدة لا أعرف من أين أنطلق بها.. أعلم فقط أنني أريد أن أتطرق الى الأحلام التي تزورني. أصبحت مشابهة هذه الأيام، و كأنها ألبوم من الأشخاص، قليلة الأحداث و ما يميزها أنها استعراض لوجوه جديدة بالإضافة الى قديمة. الليلة الماضية رأيت صفاء، تلك الجميلة التي لم أرها في الواقع بعد. من الشاشة الى عالم الأحلام.. و لكن ليس في الواقع بعد. لم تكن ترتدي إبتسامتها، و كنت ألح عليها أن ترسم. رأيت قريبتي التي لدي معها علاقة أم و إبنتها العرّابة و التي أحبها دون أن أعرف لماذا، و أحرص على التواصل معها دوماً. كانت تجلس منتظرة شيء ما، جئت و سلمت عليها و ذهبت في طريقي. رأيت مودة التي أتحدث معها على كل الأشياء الدنيوية دون أن ينال مني الملل، فنتحدث عن الريجيم و الطموحات و غذاءنا و المشاكل العاطفية و عن طرق تزيين البشرة. كانت تتحدث معي على الهاتف، تخبرني أنها ستكون في مكان بالقرب مني، و لا تبدو سعيدة لقولي أنني سأحاول أن أزورها.... و ذلك اليوم، أكثر الوجوه غرابة لاحت لي في الحلم. ذلك الرجل الذي لديه بوسة خال على كل وجنة الى جنب فمه.. من هو هذا الشخص؟ من أين يكون خيالي قد رسم له بوستي الخال؟ و لماذا يجلس تحت الشمس في منتجع سياحي لا بد أنني رأيته على التلفاز؟ .....الأحلام تعمل بطريقة غريبة، محبطة!!! و جميلة. فيلم جيم كاري الذي شاهدته ذلك اليوم يتحدث عن الأحلام.. بل يتحدث عن الحب، لا الأحلام و لكنه يستخدم الحلم وسيلة ليتكلم عن الذاكرة التي هي ضرورية في مسائل الحب. ذلك الفيلم ضربني كآبة. لا أريد أن أتحدث عنه. أريد أن أضع تساؤلاتي الرتيبة عن الحلم على جانب، و أنظر الى فكرة الحلم في ذاتها. ماذا يعني أن يرى المرء أشياء غير حقيقية تتجسد له في النوم حقيقة؟ كيف يحدث ذلك؟ .....يحدث بعملية فسيولوجية، نعم. و لكنني أعني، كيف نستطيع أن نحصل على زيارات لأفكار ملتوية دون أن نجن؟؟ كيف وصلنا الى القدرة على التفرقة بين الحلم و الواقع؟ لو لم أكن انسان، لو كنت كائن أسمى من الإنسان و شاهدته من بعيد يحلم و يعيش الواقع و لا كأن شيء حدث، لظننت أنه توجد به مشكلة. لشعرت بالشفقة على الإنسان. السبب هو كوني لا أدري إن كان المرء يفرق فعلا بين الإثنين، ام ان كان يقنع نفسه فحسب. ماذا ان كانت مودة بالفعل لا تريدني أن آتي الى زيارتها و لهذا جميع الإشارات التي  تشير الى عكس ذلك هو محاولة ابعادي عن ما يقلقني، ماذا لو كانت قريبتي جالسة بإنتظار شيء و لم أفعل أكثر من التسليم عليها و الإبتعاد، و جميع ما يقول بأنني لم ألتق بها منذ سنتين هو كذب، مجرد حماية لي ضد الشعور بالذنب تجاه من أشعر بالولاء، ماذا لو ألتقيت بصفاء حقاً و لم يكن اللقاء كما المتوقع، و كل الدلائل التي تشير الى العكس هي محاولة اخفاء اللقاء حتى يحدث ثانية بشكل أفضل، فنكون قد تحصلنا على فرصة ثانية؟ نعم، فرصة ثانية! ماذا لو كان الكون متآمر ضدي و ضدك و ضد الإنسانية لتجلس الكائنات الأعلى مننا مقاماً تشفق علينا؟ فيكون كل ما يحدث في الحلم هو ما حدث في الواقع و لكن عملية "حذف" تكون قد اخفتها عن الواقع.. لتأتي معوجة و ملخبطة في المنام؟ ......فالأوقف نفسي هنا. و أتحدث قليلاً عن الوجوه التي رأيتها اليوم في محطة القطار و التي قد تزورني في حلم ما مستقبلاً. فالأتحدث عن الرجل الكبير سناً الذي ظل يغيّر مكانه باحثاً عن أفضل مقعد و لم يرتاح حتى سرق مقعد شاب عندما ذهب تجاه الباب لينظر الى العركة التي وقعت في مكان ما في المحطة. وجه الرجل الذي جلس مقابلي و حاول الحديث عن شؤونه الخاصة و تحفظي حتى لا أقيم صداقات. وجه الرجل الذي جلس خلفي الذي طلب أن يشرب من الماء الذي بحوزتي، و من ثم نظرة الرجل قبالتي و هو يطلب مني الشيء ذاته. وجوه الفتيات اللواتي يجلسن بخوف على الطرف، لأسباب أجهلها. وجه جامع التذاكر الذي لم أره و أنا أمد له بتذكرتي. وجه الطفلة التي قالت عنها أختي ظريفة و التي وجدت نفسي لا أشاركها الرأي لأمحي كل ما قلته بالأمس عن إبتسامات الأطفال. وجه المرأة التي جلست بجانبي و هي تضع نظارات تغطي معظم وجهها. وجه الفتاة التي تلعب بشعرها. بل شعر الوجه الذي أيقظ فيّ تسبيح بسبحان الله و ماشاءالله خوفاً من أكون سبب في تساقطه. جميع هذه الوجوه، ماذا ان زارتني في المنام لتريني ماذا كان عليه السيناريو الأصلي قبل أن يحذف. هل كان لعدم حصول العركة أن ينقذ عيني من ضرورة أن ترى رجليّ سارق المقاعد و هي تتمدد على المقعد المقابل؟ كيف تصرفت مع الرجل المزعج؟ ماذا لو بصقت في الماء قبل أن أمدها للعطشى؟ هل كانت لتبدو الفتيات أكثر سكينة لو كانتوا متوجهات للملاهي؟ ماذا كنت لأرى لو وليت عيناي تجاه جامع التذاكر؟ هل كنت لأرى الطفلة ظريفة لولم تكن مصحوبة من أمها؟ ماذا كنت لأرى لو لم تكن ترتدي نظارات عملاقة، كدمات حول عينيها؟ بماذا كانت ستلعب الفتاة لو كانت صلعاء؟ ماذا لو كنت قد لعنت الشعر العملاق غيرة؟ ..سأنتظر الليلة و أرى. 
و لكنني أعود بإستمرار الى الرجل صاحب بوستي الخال.. لأسأل: من أنت؟ و لماذا لا تظهر ثانية؟ ...لقد قمت برسمك و لكن كوني غير ماهرة في الرسم جعل بوستي الخال تظهر و كأنها نقطتين سوداء بجانب أطراف الشفاه لا تلعب أي دور.. غير أن بوستي الخال خاصتك تلعب دور له كل الأهمية،  لكنت قد تعرضت للخطر دونها. لا أتذكر حتى أحداث الحلم. أتذكر فقط جلوسك في شرفة مكان استرخاء، و أتذكر بوستي الخال. هل سرقت حياة خاليك عندما قبّلوك تحت وجنتيك؟ 
فالأتوقف عن كل هذا الهراء عن الأحلام. لقد تبقى لي القليل من الكلمات حتى أصل هدف اليوم، و لكنني لا أعلم عمّا أتحدث. فالأتحدث عن "ألف كلمة في اليوم"، عن أهمية الهدف، عن معنى الألف، عن اليوم. أهمية الهدف تتمثل في كونها تدريب لي على الكتابة بإستمرار و جعلها عادة، كما قالت رؤيا التي أقترحت الفكرة "تباً للتعديل و مرحباً بالفوضى". الألف كلمة هي هدف مناسب، ليست أكثر مما أحتمل و لا أقل مما يجب. و اليوم؟ اليوم ثاني يوم و رغم استعدادي للحديث عن السخرية و الأحداث غير المعقولة و عن تابو الخصوصيات من مثل تلك التي خلت منها النسخة المعدلة من مذكرات آن فرانك التي لم اقرأها، الا و أنني أجد نفسي أتحدث عن نفسي، هكذا، و كأن الألف كلمة هذه هي مذكرات و يوميات و أشياء غير جادة. فالأحاول أن أتجب ذلك بالغد.  

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

1258

ألف كلمة لها هيبتها، فهي رقم واحد و الى جنبه ثلاثة أصفار. أخترت لأول ألف أن أتحدث عن يومي، و هو ما لم أريد فعله في البداية... و لكنني أفعله رغم ذلك. اليوم ذهبت في نزهة مشي على ساقي، ممارسة رياضة المشي و هي الرياضة الوحيدة التي أمارسها -ان جاز تسميتها رياضة حتى-.. و أحد الأنشطة المفضلة لدي. تضرب الرياح ساقي، و تدفعني الى المضي أماماً. في الطريق، بل قبل أن أتجه نحوه حتى، صادفني الأطفال.. فتزينت النزهة أطفال يبتسمون لي. طفل يبلغ نحو السابعة من عمره لا يرتدي قميصاً أتاني مسرعاً عندما خرجت من البيت، ليطلب مني أن أعطيه الكرة التي كان يلعب بها و سقطت في الحديقة. فور أن أبتسمت له، ابتسم و لم يتوقف.. و كانت ابتسامة جميلة، فاتني ان ايهم فيها عندما التفتت متجهة ناحية الطريق. قابلني في الطريق أكثر من طفل أخر، أحدهم يبتسم و يسابقني، الأخرى تنظر بغيرة الى كيس أحمله به شكلاطة، و أخرى تبدو مثل أختي ظننت أنها هي حتى أقتربت. أحب الأطفال، و يوم ما أريد أن أنجب أطفال.. و أتوقف هنا لأتذمر بشأن قهاوي الرجال. أشعر بالغيرة منهم، لأنني بنت، لا استطيع أن أنضم إليهم. في روايات نجيب محفوظ، القهوة الشعبية هي حيث يحدث كل شيء. تناقش السياسة، و تقام الحركات الإجتماعية، و يتكلم الرجال فيما بينهم في الفن و الأدب و العالم. و في رواية توفيق الحكيم، القهوة التي تجلس فيها الشخصية الرئيسية لا يعقل أن تكون قهوة رجال بالمعنى المتعارف عليه لدينا، و لكنها مع هذا تحمل الخصائص التي تعودناها في روايات محفوظ: مكان يضيع فيه البطل وقته دون ان يضيع حقاً، يجد فيها المتفهم لأرائه و المعارض و لكن في كليهما مجال للحديث، و كوب منعش و رخيص من المشروبات الساخنة. أغار لأنني أحب المقاعد المريحة، و الجلوس في الهواء الطلق، و المشروبات الساخنة. أغار لأنني أريد حديث عن الاشتراكية، و أخر عن تمدد الفكر الإخواني، و ثالث عن الفن المسرحي.. أريد أن أعيش في قاهرة منتصف القرن العشرين قبل أن تموت الأيدلوجيا و قبل أن يصبح في كل بيت تلفاز. عوضاً عن هذا، جنسي يعني أن الخيار الموازي المتاح أمامي هو أن أجلس في المزين و أتحدث عن إزالة الشعر و فارس الأحلام و إن كنت محظوظة (بل غير محظوظة لأن الإجابة تقتضي أن تكون متحفظة)، سيتم سؤالي عن وضع البلاد. أتذمر مع أنني ألعن هذه القهاوي الشعبية عندما أضطر الى المرور من أمامها، فالجالسون لهم فرصة النظر مطولاً، في أمر لا يشعرون بالراحة لفعله هنا الا في هذه الأماكن المقدسة.. أكره وجودها و لكنني لا أريد لها أن تنعدم لأنها تمثل بالنسبة لي رواية خان الخليلي و قشتمر و الكرنك. تجلس بالنسبة في مكان مشابه للمكتبة، المتحف، المطار.... تلعب دور في المجتمع... أو أقله هكذا كانت قهوة الكرنك، منتصف القرن الماضي. و هكذا تبدو لي من الخارج، بذات الطريقة التي يتحدث بها الإنسان عن تنظيم خلية النمل دون أن يخطوها، و بذات الطريقة التي يتخيل فيها الشرقي الشرق الأقصى: الصين دون أن يزورها.... و لربما حتى بذات الطريقة التي يراها مرتاد قهاوي الرجالة المزين. لعلهم يتخيلون أحاديث هي مشابهة للتي ذكرتها: إزالة الشعر و فارس الأحلام. هل أكون أنا على حق؟ ذكّرني هذا برواية نجمة الليل التي هي رواية ليبية طرابلسية من جزئين، كنت محظوظة بأنها تجلس قابعة في البيت دون أن يكون قد قرأها أحد.. إذ أن الرواية كانت وصف جميل في طرابلس، مليء بالفواصل (،) و قليل نقط نهاية الجملة (.).. انسكبت الأوصفات و التشبيهات الجميلة، فوقعت من جديد في حب طرابلس، و رغبت في إرتداء فراشية و الذهاب الى "فقيه" ليفك سحر قديم و الخروج لملاقاة حبيب من الشرفة و شراء الحوت الطازج من رجل يعيّط: حوت، حوت صباح كل جمعة. و تخللت الرواية الحراك الشعبي من أجل إستقلال ليبيا من الإستعمار و هتافات لذيذة و خيبات أمل كبيرة....... و فتاة ليل و رجال بأوصاف قبيحة متهاتفين على شراءها. في الواقع، اشتقت الى الرواية، تقريباً حجم اشتياقي للمدينة، و للقرن الذي لم أوجد فيها الا خمسة سنوات. خمسة و تسعون سنة ضاعت علي هي المفضلة لدي دون الحقبات. سأبدو مجرمة، فالحروب العالمية حدثت فيها و ما رافقها من دمار شامل و أكل جراد... غير أن ذلك هو الى درجة ما ما يجعلني أذوب ولهاً رغبة في العودة. في القرن العشرين، خرجت لنا قوى كبرى تقاتل من أجل أفكار أكبر منها. الإشتراكية التي وعدت نصف العالم بالمساواة، الديمقراطية الرأسمالية التي وعدت النصف الأخر بالحرية. الآن، انعدمت هذه الأفكار، فقد فازت واحدة و تبنت فكرياً مزايا الخاسرة.. و بقى الصراع على آثار هذه الأفكار. الوجودية، الكتب الصفراء، موضة الأكتف الكبيرة، حركة مساواة المرأة، الشعر العملاق، التحرر من الإستعمار، التحرر من القيود الإجتماعية، نقد ثقافة التلفزيون، لا تلفاز بتاتاً، سيارات قبيحة، الأمم المتحدة، سلفيا بلاث، خلع المصريات النقاب بداية القرن، العودة الى ارتداءه نهاية القرن، بينك فلويد، الآلة الطابعة، قهاوي الرجالة.... لهذا السبب أجد نفسي اليوم بالذات أفكر كثيراً، راغبة في العودة الى القرن العشرون في سني هذه دون أن أتغير، و أعيش القرن بأكمله من أول يوم حتى الأخير. هذا غير ممكن، و لعلّ خيال الطفولة يتحقق، في ما يمكن أن يطلق عليه لاحقاً سخرية القدر. عندما كنت صغيرة، كنت أحب أن أجلس ساعات أمام التلفزيون. حتى أنني أتذكر مرة في الصف الخامس أو شيء هكذا، أذن المغرب فخيّم على قلبي الظلام عندما لاحظت أنني أمضيت اليوم بأكمله أشاهد التلفاز دون أن ألتفت الى دروسي. عندما كنت صغيرة، كنت غريبة أطوار. لا زلت كذلك، و لكنه يسهل عليّ أن أرى غرابة أطواري في مرحلة من عمري كلّما تقدمت في السنّ. عندما كنت صغيرة، كنت أتخيل أنه عندما أموت و أذهب الى الجنة، يكون هناك مكان بالقرب من باب الجنة مليء بأجهزة التلفزيون (في سنوات قادمة، تعلمت أن أحيط ذلك الركن من الجنة بالغيم حتى أجعله موازي لما تظهره الرسومات على أنه الجنة). في خيالي، جعلت من حق كل من يدخل الجنة أن يجلس يشاهد أحداث حياته بالتفصيل، دون أن يمل أو يجوع أو تؤلمه مؤخرته من الجلوس، كلها في مرة واحدة، حتى اذا دخل، فهم سبب دخوله الى الجنة.. و أعتقد أنني كنت أدخل العالم بأسره الى جنتي و ذلك بتخيلي أن بمشاهدة حياتك بالتفصيل، بكل ما فيها من أفعال حسنة و أفعال سيئة، تصبح مهيء لأن تدخل الجنة لأن الشعور بالذنب و تعذيب الضمير تلك اللحظة هو عقاب كاف لمن أقترف الأعمال السيئة في حياته. المهم، كانت هذه تخيلاتي التي كنت فيها طمّاعة أحياتاً لأتخيل أنني أخذ الإذن لأشاهد مسلسل بأكمله و أفلامي المفضلة و حياة غيري قبل أن أدخل و أخيراً الى الجنة، فتغلق علي فرصة التلصص على حياة غيري الى الأبد. أجد نفسي الآن أتمنى أن أشاهد القرن العشرين بأكمله هكذا، بهذه الطريقة، في طريقي نحو الجنة.. و لكنه يخيل اي الآن أنني أريد أن أزور القرن الماضي لأنني أريد أن أختبر كل شيء فيه، لا مشاهدته فحسب من مسافة آمنة. أريد أن أرتدي أول ملابس عملية تصممها كوكو شانيل، و أريد أن أجلس في قهوة رجال و أنا امرأة بشعر عملاق بإعتباري مناصرة لمساواة المرأة، متحدثة عن الإشتراكية و متخذة من جلستي ما يدل على كوني وجودية و أتحدث الكتب لا فقط لأنني أحبها و إنما أيضاً لأنني فقيرة لا تقوى على شراء تلفاز. أريد أن أخلع عني النقاب في قاهرة بداية القرن ضمن مظاهرة نسوية لأظهر فمي المزين بالروج الأحمر و لساني الطويل، و من ثم أرتديه نهاية القرن عندما أشتري تلفاز و أشاهد القنوات الوهّابية ثائرة ضد كل من يقول عني غير حرة لأنني بإختياري أرتديته. أريد أن أعمل في مصنع حتى تدمى يداي و من ثم أتظاهر مع بقية البروليتاريا لأسقط البرجوازية، أن أجلس في قصري العاجي و أتصدق على الشحاذ بالكعك و أقرأ الكتب العملاقة و من ثم تصادر أراضيي و لكن تبقى الأفكار التي قرأتها في كتبي العملاقة، أعيد كتابتها في الصحف. أريد و أريد و أريد و لكنه لن يحدث. لربما أنام الآن و أرى شيء مثل هذا في المنام... هذا الذي سيكون أجمل من أن أحلم بأشخاص لا أتذكرهم، أحدهم لديه بوسة خال على كل خد بجانب شفتيه دون أن يعي.