الجمعة، 25 أبريل 2014

كل يوم حياة قائمة بذاتها

مهما حاولت تخيل أن تكون لحياتي طابع واحد يغلب عليها و تنبع جميع مشاكلي و ابتهاجاتي منها، وجدت أنه مستحيل ولا مكان لسمة واحدة أن تطغى عليها كما هو عليه الأمر في الروايات التي تتبنى مبدأ توصيل فكرة مثالية او واقع اجتماعي ما للقارئ، أو كما استشفته من الأفلام التي هدفها تصوير شعور قد يتعارف عليه المتفرج و يتعاطف معه او يستوحى منه خطوته التالية.

مهما حاولت تخيل ان اكون بطلة ما تصارع شرير ما و بانتصاري ينتفي الشر وجدت أن ذلك مستحيلا، او ان اكون جيلاطي بنكهة الفستق محبوبة من قبل الجميع فذاك مستحيل ايضاً.. و لكن ككل فكرة يمكن اللعب عليها و جعلها ممكنة الى حد ما، بامكاني اللعب على ما احاول تخيله، فاذا اصبحت حياتي هي يومي كما هو عليه دون اهتمام بالذي سبقه او بالذي يليه بامكاني التخيل هنا كما اريد و الشرط الوحيد هو الا اخرج عن الساعات الاربع و العشرون التي تكوّن اليوم.

اذا اعتبرت كل يوم حياة منفصلة و منفردة بذاتها يضفي عليها المزاج طابع واحد، بامكاني ان اصنع من ذلك اليوم سيناريو متكامل يدور حول فكرة واحدة معينة.. فاذا اعتبرت من مزاجي الذي في تحرك مستمر، متأرجح و متراوح بين ابتسامة خفيفة و تدفق من الدموع حسب يومي، قد أخرج من اسبوعي بسبعة أفكار كلا منها حياة قائمة بذاتها. فالسبت مثلا يكون الصراع الوجودي هو الراجح و محاولة تفهم موقعي في هذا العالم و عقلنته. الاحد قد أجد نفسي في حالة ميؤوسة من الكآبة التي تحوم حولي كالنوارس التي تجعل من جزيرة ما المكان الذي تحج اليه، و الفكرة هنا قد تكون صادرة عن ملل مما افعله و محاولة وضعه تحت المجهر لربما وجدت ذلك الهدف المخفي بين تفاصيلها الدنيوية.. لأصل بعد ذلك ليوم الاثنين الذي احاول فيه موازنة شخصي مقابل الجماعة و البحث عن اهميتي في علاقاتي بمن هم حولي فتصبح الفكرة المسيطرة هي المجتمع و ما بامكاني فعله للانتماء اليه.. و لكن ذلك لا يدوم حين يدخل يوم الثلاثاء الذي يحمل معه تغير في المزاج فأجد أن ااثر بنفسي مقابل الجماعة حينما اهتم بمستقبلي بشكل منفرد عما يتوقعه مني الغير و علاقة مستقبلي هذا بحاضري، و حسب حدة المزاج متراوح بين سلبي لا يجد الا اليأس للوصول الى ما اراها على انها الصورة المثالية لما اريد ان اكون عليه فأتمنى الغرق في بحيرة من الحليب الكثيف حيث يطفو جسدي حتى يغادر روحي الى السماء و من ثم يغرق كالبسكويت الذي ما عادت تمسكه يد الى أعلى، او ايجابي اضع لصورتي تلك هدف و خطوات فأحلف دونما وزن لما قد يأتي به الغد من تغير في المزاج سيؤدي حتماً الى الخنث بالوعد فيأتي القدر يوم الاربعاء الذي سيكون يوم الخنث بالوعد حين تكون الفكرة المسيطرة هي الحاضر ولا شيء الا الحاضر فأجد فيه مكان للغوص في أمور دون تفكير مسبق فيصبح التهور هو رمز هذا اليوم لتأتي العواقب التي لم اكن ادري بوجودها حتى لتطرق باب الغد، و لكن كما قلنا فكل يوم هو حياة منفصلة لا يجوز التفكير في العواقب تلك الا في اطار يومنا هذا.. ليأتي الاربعاء كيوم للنحيب ندماً و تصويب كل ما سبق و ربما ايضاً صب جم الغضب في ورقة أقوم بتمزيقها لاحقاً في محاولة لوضع كل شيء نصب العين و الميزان.. الجمعة ستأتي بالهام لفعل شييء أفضل بيومي، الكافيين يكون وقودي الذي يجري في أوردتي دونما انقطاع و المزاج المسيطر سيكون متهاون مع مشاعر اليأس و الندم و متصالح مع أفكار اليوم و الأمس و الفكرة الاساسية لهذا اليوم ستكون تلك التي تناقض كل ما يمثل فكرة ان يوماً واحداً كافيا ليكون حياة منفصلة و منفردة.

 فالحقيقة هي، بالامكان ان تكون حياتي مقطع موسيقي يمشي على ايقاع واحد يمثل مشهد عاطفي في فيلم ما، او أكلة معقدة يغلب عليها الطعم الحلو فقط تحتفي به براعم التذوق خاصتي، او صورة لرضيع يضع ابهامه في فمه و لا خلفية سوى بطانة السرير فتكون الصورة الفوتوغرافية تجسيداً للبراءة.. بامكان حياتي ان تكون شيئاً واحداً في مخيلتي ليوم واحد.. و لكن كيف ستبدو بعد سنوات حينما تحشر الأفكار المختلفة تلك لتكون طابع خاصاً - لا ضرورة له ان يكن واحداً - كما حاولت تخليه منذ سنوات؟ هل ستصبح تراكمات تلك الأفكار لا شيء الا عوارض جانبية لشخصيتي اتقبلها كفكرة واحدة متكاملة؟ ........ربما.
الفكرة ليست في التداخل فأنا لا ارفضه، و انما في الفكرة المثالية التي أتمنى رؤيتها يوماً ما.

بهذا الكلام بامكانكم تخيل ما هي الصورة الرئيسية التي تسيطر على يومي كما يبدو لكم.. بالنسبة لي، تبوح لي العبارة السابقة بمزاج واحد هو التوق - عدم القدرة على الصبر لما ستبدو عليه حياتي لاحقاً.. و لأنني كنت احاول تخيل حياة كاملة منفصلة في يوم واحد وجدت في حياة من التوق جحيماً لا أتمنى البقاء ضمن جدرانه.. لأخرج و أعلن استحالة بل عدم الرغبة ربما في تخيل أن يغلب على حياتي طابع واحد اذا كان يعني ان تكون حياة متكاملة هي جحيم لا ينتهي و يوم واحد هو حياة منفصلة عن الغد ليس بالامكان التطلع الى جحيم الامس و اطفاءه بجيلاطي فستق اليوم.

الاثنين، 21 أبريل 2014

هابي

أغنية هابي لفيريل ويليامز اللي كيف بدت تنقص من عالراديو و ضجتها شبه مشت، 
طبقاً لأسمها "هابي" تجعلك تشعر بالسعادة على الأقل في الدقائق المحدودة التي تلعب بها على هاتفك، 
السبب عالأرجح ليس سراً، قصدي واضحة من اسمها، 
و هي تجعلك "هابي" لأن عقلك اللاوعي يسمع الكلمة و يعاود فيحاول محاكاة الشعور،
و الايقاع لا بأس به ايضاً.. ايقاع سريع يوقظ فيك الرغبة بالتحرك معه فيما يسمى منذ الازل بالرقص،
بل حتى ما يوحي به الفيديو من لقطات مختلفة لأشخاص يحتفلون بالرقص يجعلك ترغب بقطعة من كيكتهم..
و لكن هل هناك سر اكبر من مجرد ان تشارك غيرك بضعة دقائق تجري خلالهم كيمياء الى دماغك تجعلك تبتسم و تتمايل مع النغم؟
بالنسبة لك قد تكون القصة مختلفة، اما لغيرك..
فالسر ليس (فقط) في كونها الأغنية التي استحوذت على قنوات الراديو حتى انها اصبحت خلال فترتها الاغنية التي تضحك فيها مع أخواتك و تنسى روحك خلال رحلات روتينية في السيارة،
ولا (فقط) في انها تلك التي اخترت مع صديقة ان تتوقف عن العبس كلما استمعت اليها،
ولا (فقط) في كونها أغنية بوب و اخيراً اتفقت مع ذوقك الجمالي،
ولا (فقط) في أنه يشير الى ان السعادة من الممكن ان تكون جنون لما تكون محيط بالعبس،
ولا (فقط) في انك ابتسمت من قلبك لما شفت فيديو يحاكي الأغنية تحت اسم (هابي من تريبولي)،
و لكن ربما في تلك الجملة التي تدعم اعتقادك في ان الكلمات لها قوة تفوق ما يعترف لها به، في ان الطباق و الجناس مش حاجة تتعلمها في حصة البلاغة و تمسحها من رأسك اول ما تطلع من الامتحان، و ان وصف أبو القاسم الشابي ليومه دون غاية في مذكراته مش كلام و خلاص و لو هو دون أهمية تفوق المعيار الجمالي او تتبع و دراسة حياته، و ان مدونة من غير متابعين مش اقل اهمية من كراسة حساب تكتب فيها قصة حياتك دون مقاطعة من غيرك.. الكلمات اكبر من انك تلقى اقتباس عجبك و تحطه منشور و تنساه.
فمش (فقط) السابق هو اللي يخليك تبتسم. لأن زيادة الخير خيرين زي ما تقول المرأة اللي في الدعاية و تشبه المرحومة الـ"للا" من ذكرياتي و اني صغيرة.
لما يجي التشبيه اللي خلاني نتخيل روحي اركان التشبيه كلهم في مرة واحدة اللي نسيتهم رغم كلامي اللي فات، هذا ما يجعلني (هابي) اكثر من اي شيء اخر الان.
Clap along if you feel like a room without a roof - صفق لو تحس انك زي الغرفة التي بدون سطح
مع هذه الجملة، سأصفق.
نتخيل روحي منور في حوش عربي قديم.. ربما مقتبس عن حوش نهيلة التي ارغمت على مشاركتها ألواني يوما ما، ليس متداعي و مش حيطيح لأنني في أوج سعادتي و لذا ينبغي ان اكون حوش في اوج مجده كذلك، قديم - لأن الكبار يقولوا وقتهم خير من وقتنا، و هو صح مانصدقهمش لأن كل وقت فيه الحلو و المر و المعروف ان الذكريات نسخ مشوهة عن الواقع - و لكن هنا سأصدق 
و أغوص بكليتي في الوهم.. هنا الواقع انني حديثة البناء، كيف زوقوني و حطو في الحواشي اللي تكونهم حيوطي غرسات.. شجرة ليم قزمة، و شويا نعناع للشاهي، ربما ايضاً بعض من تلك النبتة اللي نسيت اسمها و لكن تبقى اكثر ما يذكرني بنساء جهة أمي، كأنني اتخيل أمي و حناي و أمها يرتدين الزهرات مختلفة الألوان التي تصاحب الغرسة.. و رغم ان الحديث كله قادم من الأنغام و لكن هنا لا نغم و لا ايقاع، ربما فقط صوت الرياح و اخر بعيد و مبهم لعزوزة القايلة التي لم تخدعني اسطورتها الا مرة حين كنت ملتصقة بحناي التي قالت لي ان المحل "خطوة بس" لكي ارافقها لأنه كان قريب و لكن المجاز لم يرق لي، و تخيلت ما يمكن ان يحدث للسيارات المتراصة لو كان المجاز حياً فازدادت تراصاً و انما هذه المرة نحو الأرض بعفسة من رجل حناي، انذاك رأيت ظل العزوزة القايلة التي كان من المفترض ان تمنعني اسطورتها من اللعب في الشمس الحارقة كل تلك السنوات الفائتة و لكنها لم تظهر لي الا ذلك اليوم في صورة تلك التي خوفتني بها، الاقرب الى قلبي.
في الغرفة التي بدون سطح التي انا عليها هنا، عزوزة القايلة ليست غولة بل ذكرى، و معها تلك القطة التي وزعت هررة صغيرة على مخدة و تركت اثرها لسنين طوال، و تلك التي حذفت من سطح غرفة اخرى و نجت لتنفذ الثمان ارواح التي بقيت لها في معاكسة الجيران. في ايام اخرى انا ذلك المنور الشاهد على "فلايط" صغار الشارع فذلك يلوح كرموسة غير ناضجة على مار و يدس روحه، و مجموعة من الصغار يتلاقون حول الهاتف و يعاكسون اقاربهم بسذاجة جعلتهم موصومون بكونهم "شياطين بيطيروا" لا يزالوا يبتسموا بينهم و بين انفسهم حتى بعد مرور سنوات رغم تفرقهم الان و انهماكهم في الرد على بعض ضمن عداوتهم المشتعلة.
اهم شيء، انا غرفة دون سطح استمتع بالشمس كما ارغب.. لا حدود لما يسمح لي به من تذوق لحرارة الشمس، فتصبح الكلمة الدقيقة في هذه الحالة هي انهماك لا فقط تذوق، و من ثم اشباع الفجوات التي اغفلت اثناء البناء بحرارة تشبه تلك التي تملئ قدر من الفشار و تصل الى اخر طرف في اخر زاوية ممكنة و تجعله يقول "طرباق".
لا حدود فوق تلك التي يرسمها الطقس، فقطرات المطر و العواصف التي لن تهزني ليست مطالبة باعطاء حقها من الوقت على الارض الى الشمس.. ففيها ايضاً انا اصفر "هابي، هابي، هابي".
و على ذكر الحدود او انتفائها، فالسطح غير الموجود سيجعل كل ذلك و غيره ممكناً.
كل هذا، لأن بالنسبة لي لا فكرة تبدو اجمل من ان اكون غرفة بدون سطح بالمعنى الحرفي و المجازي.
"هابي" - و علاش لا؟

الهدير

أمواج تتجه نحو ابراجنا العالية لتحطمها كما كانت قدمي فتى لا يعلم افضل من ان يركل قلعة رملية تواجهه، ترسم من ما ترصفه خريطة للمدينة الفاضلة.. 


هكذا يبدو تقريبا الهدير الصادر عن امواجنا حين يوضع تحت عناية مضخم للصوت:
كالقارب دون مقود، كالكيس البلاستيكي المرمي دون رياح توجهه نحو بلد الصناعة، كالغريق دون ما يتمسك به...

كل ذلك في زخم المقارعات هذه التي تشق قلوبنا و تجعلها اكثر صلابة في الوقت ذاته ؛
كالصَدَفة التي كلما ازدادت فتحة فمها اتساعاً و اقتربت يد الصائد نحو اللؤلوة، كلما اصبح الاجهاز عليها وشيكاً و العدم المادي لذيذاً

حالة استيلاء لضمائرنا تجعلنا المتربص و المتربص به دون فترة انقطاع لنصبح الصفتين المذمومتين في ان واحد ؛
كالحوت الذي لم يسلم حتى اليوم من ابتلاعه نبيا بالأمس، و لم يتوقف صدى اسمه عن الارتداد تمجيداً من الجزيرة الملعونة

بين انفجار لا عدنا نبالي اين مصدره، و مخطوف لازلنا نتفحص شجرة عائلته
كفقاعات ترتفع الى السطح هي نتيجة حتمية لتلاقي الفيزياء مع الكيمياء، 
كالرئة التي لا تعلم اين توقفت عن الحاجة لمطابقة نمط الخياشيم

حيث يرقد نصف العالم متبسما حالماً بيوم اكثر تلوناً من امسه، و نصفه الاخر لا يغمض له جفن كيلا تزوره كوابيس الغد الرمادية المرتقبة ؛
مثله مثل ذلك القرش الذي يلوذ بالفرار من الشبكة، و خلفه تقع شعاب المرجان رهينة عنق محبوبة حبيبها

و من هنا، زاوية النظر الى الشوارع نصف الفارغة متوشحة بالات تزيد كل ساعة نصف فارهة، و رؤوس تحلق جاعلة من متري القماش حاميها خوفا من اجتثاتها عنوة ؛
كالمدينة الاسطورية المفقودة، لا احد هناك سوى الاسفنج ليمتص اعجوبتها
و سمكة التونة التي لا ندري بعد، هل هي فائض لتونة مقدسة لا ينضب مصدرها ام في تناقص رغم انخفاض سعرها

تلك الامسيات التي كنا نعتقد انها لن تنتهي مضت، و تلك التي نريد ان نحتاط منها لا تتوقف عن الاقتراب ؛
كلسعة القنديل التي لن تقابلنا ابداً لأننا و البحر لسنا رفاق و ابداً لن نكون، و لكننا رغماً عنا لازلنا احترازا نبحث عن علاجها بين المنتديات المهجورة و الصفحات مجهولة القلم

نرى المجادلات التي وضعناها خلفنا تصطف كالجدار امامنا، و الحجج التي استبحنا شرفها عادت لتغسل عارها ؛
كنجمة البحر غزيرة السُمك تحت مجهر هاوٍ لا يعلم انه هكذا اكثر علماً من أكثرهم علماً،
كضغينة اخطبوط لازال تحت تأثير صدمة فقدانه احدى قلوبه الثلاث

بين سلطة البحر المتوسطية، يوجد القريدس و الروبيان، و في المقابل ايضا يوجد الزئبق.. الكثير و الكثير من الزئبق 
و لكن ربما بين سلطة البحر المتوسطية حيث يوجد الكثير و الكثير من الزئبق، يوجد بما فيه الكفاية فقط من القريدس و الروبيان لوجبة واحدة على هدير تلك الأمواج التي حطمت ابراجنا، امام حطام سفينة لا نعلم عنها شيء الا انها ربما لا تزال صالحة للبكاء على اطلالها لاشباع الرغبة في البكاء فحسب.

السبت، 19 أبريل 2014

البوح


أرغب بالبوح، 

بكوب من القهوة الملئ بالكافيين الذي سيجعلني بالتهور الكافي للقفز من على شرفة الصمت الى حديقة لا توجد بها اسرار، 


بصحن من كعكة الشوكولاتة التي سيدفعني تركيزها العالي في الكاكاو الى لعق شفاهي؛ أقله سيخرج لساني و يستنشق الهواء النقي الذي حرمته منه لزمن طويل، 


بلحن موسيقي مبتذل يتملكني حتى أجد صداه خارجا من حلقي، 


بصفعة مهينة توقظ فيّ شعلة الغضب التي لا تنطفئ قبل تحقق لذة الثأر، 


أرغب بالبوح، و لكن كيف بالبوح ان يأتي عابراً دون محفز؟