الخميس، 6 يونيو 2013

يوميات لا تحدث فيها شيء


ستة، ستة -2013
--

يبدأ على تمام الساعة التاسعة، لا تزيد دقيقة و انما تنقص دقيقتين، لحظة استيقاظي و كأنني على موعد مع الصباح و ضوئه المبهر الذي تسلل عبر النافذة و انعكس على طلاء الغرفة، طرق على عيني فاذا بهما تطرفان..
لم تستوقفني روعة هذا الصباح بقدر ما تقت الى التخلص من بقايا النوم فهرعت لتفريش اسناني.. في طريقي القصير جداً و انما الثقيل بخطواتي المرتخية، وجدت ما يدعوني لالقاء السلام الودود ولو جاء على لسان جاف بنبرة تفتعل اللامبالاة، سلام اطلق جناحيه و استرسل يبحث عمن يمثل الدفء و الحب في هذا العالم الفوضوي، حتى يبلغ مسمع رمز الوجود في ديمومته في نظر شخص يطرح الكثير من الأسئلة ليجد الخيارات امامه للفحص و الغربلة، مجسدة في شخصيات ذات بعد واحد من منظوره هذا؛ "صباح الخير ماما". 

الفطور: الوجبة الرئيسية التي لا ينبغي الاستغناء عنها؛ لا من قبل اصحاب المسؤوليات المتعددة و ذوي الأيام المزدحمة، ولا حتى من قبل اشخاص تصغر قائمة مهامهم مع كل خطوة يتخذونها باتجاه الثلاجة لتصل الى الصفر بحلول وقت الوجبة، فيكون سبب الاستغناء هو الكسل و احتفاء باكتمال المهام على القائمة تلك قبل ان تبدأ حتى.
لم أكن اليوم من الصنف الأول، و لا (و أستغرب) من الثاني.. و لذا امتعت نفسي بزبدية كبيرة من رقائق  الشوكولاتة "الكوكو بوبس" بعد وقفة طويلة أمام محتويات الثلاجة دون ان تنجح ملامح وجهي في البوح بحقيقة كوني غائبة عن تلك اللحظة في محاولة مني لإعادة احياء الحلم الذي قاطعته اشعة الشمس بملامسة جفني.
مصاحباً لزبدية الرقائق الضخمة التي اعددته لنفسي كان كوب من شاي الفواكه الخالي من الكافيين، و الذي يعد رفيقي الملازم لي، حتى انني على ثقة من انه لن يمانع لو اضطر لوصف يومي هذا بالتفصيل الملل (و لكن هل من الممكن ان يصبح اكثر مللاً من هذا)، حتى انه لن يضطر الى طرق رأسه بأصابعه ليعد الى لحظة دون اخرى ضارباً بذلك المثل في الذاكرة الحديدة - اقصد الفخارية -، التي لا تخطئ ابداً.

يسير اليوم على ما يرام، فأتصفح رسائلي و انا اعلم انني سأجد واحدة من اقرب صديقاتي تذكرني بما تم الاتفاق على مراجعته ضمن الاستعداد للامتحانات التي على فكرة حتما تقف الى جوار الباب التي ستمر منه (الامتحانات على الأبواب) و تضحك على الأرجح على حجم الجهد الذي ابذله لابقاء عيني مفتوحتين، فينال الملل منهم و تذبل معها الرغبة في العودة الى مقعد الحصة المزدوجة التي دائماً تأتي بعد الجرس الخامس مرتين اسبوعياً، و لو انني وقتها تمنيت سراً ان تدوم دوام العمر، وجدت نفسي اليوم اصارع و انتظر بفارغ الصبر حلول الجرس الذي يعلن عن موعد العودة من المقاعد حتى اتضح لي انه قد ضُرب لحظة دخول الملل متسللا على طريقة دخول الشمس.. تضحك الامتحانات على انتباهي الضائع حتى وجدت نفسي بين مجموعة الأفلام التي نحتفظ بها للحظات الكسل هذه، فوقع نظري على ما اتضح فيما بعد انه يستحق لقب الأكثر مثيراً للضجر في المجموعة بأكملها (تماماً مثل الأسطر هذه)، فخطر على بالي ان اعود الى كتبي رحمة و رأفة بنفسي التي في غمرة الهروب من الأسد سقطت في الحفرة.. كان ذلك سيكون نهاية الفيلم اينما اوقفته لو انني لا امثل القط الذي كاد ان يقتله الفضول.. فجاء شوق للنهاية.

اليوم وصل ذروته ببطء من تعلق أمله باستنشاق رحيق هو انعكاس لأسطورة اشعة الشمس التي تخللت زجاج نافذتي صباحاً، فخاب حينما اكتشفت ان درجة الحرارة تتعدى درجة امس بأشواط حتى انها لتذيب راكبة المكنسة، و لخفت لولا انني اخشى الاماكن العالية و بيوت العناكب - ما يثبت فعلاً انني لست شمطاء راكبة المكنسة، و لكنني لم اشتم رائحة الزهرات بعد تلقيحها ظهيرة اليوم رغماً عني حتى ساد الهدوء على مزاجي و طابق الطقس كسلي.. يسير اليوم باعتياد و لو ان العالم لم يهتز للعابي الذي سال قبل و بعد رؤية ذلك الوهم الخيالي الموجود في قطعة الشوكولاتة التي التهمتها على عجل (حدث استفزاز من قبل القطعة التي جلست تحدق بي، فنادت، و ألّحت حتى قبلت عرضها)، لتعجبت لانبهار العالم من المرح الذي ابديته تجاه انقطاع الطاقة على منطقتنا، و كأنني تذكرت فجأة ان السعادة لا تتحقق في ظل المقتنيات الشخصية و سموها على العلاقات البشرية، و انما تتحقق و تثبت بين قهقهات الأخوات و لعبهن الطفولي.

يستمر اليوم، حتى انني اقرر انني بحاجة لغذاء لعقلي -حسب تعبير جدتي- ليجردني من الاحساس بالكسل الذي يطغى على كل رغبة ابديها سطحياً في احداث فارق بيومي هذا، كتب الدراسة قد ضقت ذرعاً بها، و لكن كتاب خارجي ليس له صلة قريبة ولا بعيدة بما علي اثبات انني على معرفة به بدءاً من الاحد هو ما استحوذ على انتباهي و لم يتركه حتى قرأت السطر الأخير و الخفي من بعده و الذي يقول بثقة باحث عثر على ضالته "تم اثبات الأمر"، ابتسامة و لكن دون عناق يجمعني بالكتاب كما هي العادة حينما يكون اسراً، اخذاً للعقل.. ابتسامة تكفي هنا.

اليوم يستمر.
و يستمر. 
و يستمر. 

حتى اقرر انني بحاجة الى ان ارغم نفسي على كسر الكسل هذا، فيتداعى صوت رخامي يتبعه نغم، فتهافت على القفز معه الى اعالي السماء، ربما التقطه و ربما لا، بحركة تبدأ بعنف و تنتهي بخفة روتينية فسقطة تشبه تلك التي لا انساها مادمت حية.. لا انساها بل اتذكرها طيلة الوقت على وعي و دون وعي.
لربما تتذكرها الطاولة الخشبية، فقد تنصتت الى حديثي الذي جرى مع ذكرياتي حتماً.. و لربما تتذكرها اشعة الشمس التي اخترقت الزجاج لتقاطع الحلم المكرر، فتنقذه من بؤس الاعادة المهينة التي طرأت عليه فجأة بعد ان كان كابوس يصعب التعود عليه متربعاً على سدة الحكم مثيراً في الرعب.. حتى اصبح روتينياً يقتل من الملل.

و سيستمر اليوم و يستمر و يستمر حتى يقرر الحلم ان يرجع متقهقر الى الجحور التي تتخذها الأحلام ذات العمق المعنوي حينما يضرب النعاس بقبضته على مرأى من القمر، و تصبح الجفون مثقلة بأسرار الكون مخالة انها اوهام.. كل هذا على مرأى من القمر الذي حياؤه يمنعه من استراق النظر بأن يجعل شعاعه يتسلل منكسراً على زجاج النافذة.. فتقبع النافذة بانتظار شعاع الشمس و تعد الساعات، تنتظر سر الحلم اليومي الذي يبدو انه قابل للنسيان من قبل الجميع.. سوى القدر الذي يعيده باستمرار بنفسه.