الأربعاء، 30 يناير 2013

قصة قصيرة



كانت السماء في حالة ذعر تلك الأمسية، تماماً مثل حالتها هي عندما كانت تدور بالسيارة لاهثة وراء جواب لم تكن تعي انها لن تجده بين قطرات الأمطار المتداعية من السماء التي كانت بدورها تبعث روحاً في الرياح لتبحث لها عن جواب ينير لها طريقها و يخفف من حدة غضبها. 

كلاهما كان متوتر، و كلاهما وجد في الدوران حول حلقات فارغة الملجأ الذي لم يجدوه في البقاء في مكان واحد.

احدثكم عن عاصفة كادت ان تخلع شجرة بمكانٍ كانت قد مرت عليه بسيارتها التي بدأت تجزع لكونها الضحية التي تعتبرها هي بدورها القربان الذي ستقدمه للبركان الذي يفيض بداخلها.. لا تمانع ان تكون سيارتها و أمنها المعرض للخطر بين هيجان العاصفة الثمن الذي ستدفعه مقابل جواب يوقف التآكل الذي يحدث بداخلها. 
في الأثناء، لون السماء بدأ بالتغير.. في الحقيقة اللون لم يتوقف مطلقاً عن التغيير منذ اللحظة التي غادرت باب بيتها متوجهة للمجهول. لم تلحظ اللوحة الفنية التي ترتسم امامها بين الضباب الذي أحدثته الدموع لتكون سداً يمنع عينيها من رؤية الكآبة التي تماثل مزاجها تحوّل مشهد يبعث الراحة و السلام في روح من يتأمله.
تدريجياً، ذلك الأفق الأزرق اللون تحول من مقيم هادئ الى عابر سبيل تظهر على عينيه نظرة جنونية.. اذ ان ما حدث بينما كان المقيم يحزم امتعته بحزن و تمهل، قام العابر بدفعه و الاستحواذ على موقعه دون اشعار غيره بقراره هذا، لذا لم يطرأ على بالها هي ان تحمل مظلة توقعاً للتغير المفاجئ الذي حدث.. رغم انها ما كانت لتبالي حتى و لو رأت خبر هبوب العاصفة المدمرة اثناء موجتها هي، الأخرى، الغاضبة.. تلك التي دفعتها للخروج من بين جدرانها الأربعة في وقت غير متوقع.
العابر كان رمادي اللون، مثل المعطف الثقيل الذي ارتدته على عجل دون اهتمام بتفاصيل كانت لتوليها اهتمام اكبر في ظروف اخرى.
كان على بالها ان كل الذي تمر به لا يجدر به ان يوليها اهتماماً.. فهي لم تكن في الحجم الذي يعطيها الحق بأن تتسلط عليها مصادر المشاكل بأكملها، هي كانت مجرد نكرة ذات قدرة هائلة على جذب المسائل التي لا تهتم بها و لا تجيد منافستها بابتسامتها التي بدأت بالتلاشي.
خبطت على رأسها بيدها و فكرت في تفاهتها مقابل كل الذي يعترض طريقها.. كيف يعقل ان تقف بحذاء العراقيل التي تلازمها و ترفض ان تتركها دون ان تشعر بالخوف مقابلها.. تشعر بعبث و صغر لا يتوقف عن التناهي.
الضباب أصبح اكثر مما تحتمل، مشكلة اكبر حتى من تلك التي اخرجتها من بيتها في وقت كان من المتوقع ان تلازمه لتفتح الباب لشأن اكبر، لتشعر بالتالي بعبث اكبر مقابل تلك الزيارة، و عجز لا يمكن له ان يتلاشى فور ان تطرق بالها ذكريات الطفولة التي تشهد لها بقدرتها على الوقوف على رجليها بعد اشهر طويلة من النوم على البطن و من ثم الزحف نحو زوايا الغرف.
الفرامل بدت و كأنها متواطئة مع دموعها التي حجبت عنها الرؤية.. و هكذا تحقق هدفها و اكتمل دورها في الحياة لحظة ملامسة طلاء الجزء الأمامي للسيارة بلحاف الشجرة.. حدث الارتطام. 
جزعها انتهى، و غضبها مضى معها.. و كما لم يكن، عابر السبيل حزم امتعته و اعتذر خلسة من المقيم الدائم قبل ان يختفي و معه اي اثر لوجوده في هذه المدينة، تماماً مثل اختفائها هي.
العاصفة انتهت. و اللون الأزرق عاد ليستحوذ على موقعه اليومي قبل المغرب.. و هي تركت جثتها بين ركام سيارتها التي ندمت على بريقها و بكت حالها قبل ان يتوقف محركها لحظة توقف قلب الفقيدة عن الخفقان.

..شاءت الظروف ان تعطيها حقها الذي رفضته منذ البدء من الأهمية، وضعتها تحت مهب القيل و القال و انوف الأخرين ليقيموا وضعها.. و الصحف و القنوات التي تناولت خبر مرورها من هذه الدنيا ربطتها بالعاصفة و ادانتها بمسؤولية سلب الحياة من امرأة لم تكن تملك ما هو اثمن من ابتسامتها.. دون ان تعي في الحقيقة ان العاصفة كانت و للمفارقة، نتيجة لاختفاء ابتسامتها تلك، لا العكس.

الثلاثاء، 22 يناير 2013

تردد


أنا على باب، اقف خلفه و أخشى ان اطرق عليه قبل أن أكون مستعدة، فإذا بالباب يطرق على مسامعي !.. و أنا ملزمة بفتحه، فقد تشرب الخشب رائحة عطري و لهاثي المضطرب و انا في منتصف الطريق إليه.. و الان تشبع بملامح دهشتي و احتفظ بصورة لتقاسيم وجهي المتفاجئ. ولذا لا مجال للفرار بحجة كاذبة انني لم اكن بالقرب من الباب، بأنني لم اسمع الدق الذي صدر عنه، فقد كان اعلى من اي صوت سمعته من قبل.. اعلى لأنه لم يكن مواتياً لأن تستقبله اذنين غير اذنيّ، و لا كان قابلاً لأن تقابله ذبذبات سواء من مكبرات الصوت الخاصة بيّ.. كان نغمي الخاص، دون شك.
كان صوتاً، لا ضجيج، ولذا ادركت انه كان يحادث عقلي، لا حواسي.

كان "التخبيط" المنتظم على الباب ينتظر ردة فعلي، و يتسابق دون ادنى تغيير في وتيرته على إخماد اي ثقة في ذاتي كنت قد اكتسبتها لكي اطرق على الباب قبل ان يباغتني ليؤكد ليّ هاجسي الذي أخبرني بأنني لستُ مستعدة.. 

"هذا هو الحل" اخبر نفسي، فإذا بيداي تبحثان عن قلم، فتكتبان بدون ان تبارحني العصبية و التوتر على ورقة ناصعة البياض -كانت كما يبدو بالقرب من الباب، كأن الباب كان قد تنبأ، بل ربما تعوّد من قبل الغير على ما كنتُ سأقدم على فعله-، 
بحروفٍ مبعثرة، تظهر حالة الصراع التي انعكست على الورقة، كتبت:
"سأعود في الغد.. او قد لا أعود". امررها تحت الباب، و التفت و قد فكرت ان في بالي لا يوجد ندم، لأنني لم افتح الباب بعد فأواجه ما لم يكن في الحسبان، كما أنني لم اتركه نهائياً دون امل في العودة اليه.. 

و لازلت الى الان بين إحتمال العودة، او الاعودة. 
الفرق بين الخيارين، انني اميل الى الأول لأنني امتلك من الصفات ما يشجعني على فتحه، أبرزها روح المغامرة و الفضول، و "الطموح" يلتقي في الكفة إياها معهم، بينما صفات اخرى أبرزها الخوف و ربما الجبن، بل حتى الحكمة يمنعانني من العودة.

..سأعود، لا سأهرب.
بل سأستمر في التأجيل.. و كل شيء سيسير على ما يرام. من قال انه عليّ ان اتخذ قراراً الان على اي حال؟ الباب؟ الصوت السحري الذي يحدثني دون سواي؟ ..لن أفتح الباب، و لن أطلب منه ان يصمت. 

"سأعود في الغد.. او قد لا اعود".

الاثنين، 21 يناير 2013

قهوة الصباح


قهوة الصباح التي بالكاد تملئ ربع الفنجان تغريني بالبوح رغم انه لا يوجد هناك ما أبوح به. ولذا ستتجلى احاديثي في الثرثرة و ما يصاحبها من تكهنات طازجة لتوها قد خطرت على البال.. 
فبدلا من اداء واجبها السامي في فتح عيني شخصا كان قد سهر الليل بحجة انه لا يملك في الغد مخططات يستيقظ باكرا من اجلها.. هي تفتح فمي للتفوه بتوقعات هوجاء مثل الرياح العاصفة التي كانت لتخلع الباب لولا استيحائها مني و من بطلة رواية لملمت أطراف ردائها الطرابلسي و توجهت نحو المجهول عقب انتهائي على عجل من تفرس تفاصيل قصتها دون صبر. 
قهوة الصباح الذي انقضى و لن يعود قبل تعقيدات يوم كامل، سوداء دون سكر.
- كُتِبت فيما كان يسمى الصباح، قبل ساعات من الان، و لكن التوتر المصاحب للنشاط المحتوم سيكون عذري لليوم، العذر الذي لطالما استخدمته فيما يشابه هذه الايام.

السبت، 19 يناير 2013

الجلوس الى الوهم



الجلوس الى الوهم و الاستماعالى شكواه و الانتظار ريثما ينتهي من الاعيبه المتقنة في عملية مستترة للانقلابعلى نفسه و من ثم على من يستمع اليه بتعليقاته اللاذعة و كلماته المنمقة التي رغم توشحهابغطاء يبدو لوهلة بعيد كل البعد عن العفوية، الواقع يبوح بأنها لم تكن مختارةبعناية.. كانت تصفح عن نية مغايرة لما يصدره لسانه و تبدي الرغبة في رفض كل ما اتتبه تعبيرات وجهه الجدية و القاسية في ملامحه اثناء تصريحاته تلك الملونة ظاهرياًبما يميز الملاحم الشاعرية و القصص ذات الطابع الدراماتيكي.
الجلوس الى الوهم قديفدنا في بعض الأحيان، وذلك عندما ندرك فظاعة اثار ما قد يصل اليه التفكير من هذاالنوع فينا و في معنوياتنا بعد ذلك.
نعم.. اعتقد ان الجلوسالى الوهم ولو ظهر كأنه مضيعة للوقت في البدء، الا انه فعل مثمر اذا كان من اجلكشف خططه في ابعادنا عن الواقع و جرّنا اليه في صورته الفضلى.. صورته تلك التي ماان تدخلنا عالمها حتى تختفي و تظهر من خلفها الصورة الحقيقية للوهم، التي ما كانتفي الحقيقة الا انعكاس يوازي الواقع بشيء من الخدعة البصرية.. فيلازم لساننا تلكاللحظة باندهاش المثل الذي يقول، "يا مزين من برا، شن حالك من جوا؟ّ!"
اذن الجلوس الى الوهميكون كمن يجالس عدوه الغافل و يستخرج منه مكيدة في زلة لسان.. و يكون ذا فائدة اذالم يتعدى زمنياً و تقديرياً عن حده المعقول. 

الثلاثاء، 15 يناير 2013

مصلحة مشتركة

لست متأكدة ان كان السبب هو رائحة عطري الجديد او رغبتها في الأكل لعدم وجود أختي التي تطعمها في البيت حاليا.. ( الامر واضح، و لكنني ساعتمد على الفرضية الأولى المتعلقة بعطري الجديد لأنه يجعلني اشعر بالتميز و يبعد عنها صفة 'التقرب عند وجود مصلحة' رغم انها في فطرتها و تاريخ وجودها)..

ايا كان، القطة تطلب و تعطي حنان لم تكن متعودة عليه من قبلي. و هذا يجعلني اشعر بالحب و التميز.. رغم انني وحدي معها. ربما اشعر بالتميز لانها اختارت ان تظهر حاجتها لي بدلا من محادثتها للجدران او اعتقادها ان مذيع قناة الجزيرة يستطيع سماعها تموء.

عالعموم، مصالحنا مشتركة، انا و هي.. بالنسبة للقطوسة، هي اما جائعة او محتاجة ليد دون مخالب لفك عقدة من عقد فروها الرمادي الطويل.. اما بالنسبة الي، فانا محتاجة اليها لكي لا اشعر بالوحدة.

'محتاجين لبعض.. مش استغلال لو ان المصالح مشتركة.'
هكذا اقنع نفسي..
'هي لا تستغلني، انا في حاجة اليها كذلك'

الأحد، 13 يناير 2013

شخصية واقعية

هي شخصية واقعية. أقدامها على الارض، و تعرف ماذا تريد بكل صرامة دون لف و دوران.. و لكنها تفتقر لتلك الشاعرية التي اعشقها.
و أنا مقتنعة انني ولدت عكسها. فأنا احب الخيال.. و أحلامي متطرفة، ذات طابع عشوائي. اجد تلك اللفتات البسيطة التي يقوم بها الغرباء ظريفة، و احب اللحظات المميزة بنفس القدر الذي احب فيه اللحظات اليومية الروتينية، فأرى فيها جمال بالغ ينعكس كالمرايا من خلال التغيرات العابرة التي تمر دون ملاحظة من قبل الغير.
هي تضع قدماها على الارض، بقوة و اندفاع كما يضعها الذي يشترك في مسابقة عدو.. بينما اغرقها أنا في الوحل تارةً و ارفعها عاليا في السماء؛ طائرة، هائمة في جمال هذا الكون تارةً اخرى.
احبها، اعشقها.. تغضبني، اغضبها.. فنتصالح دون رسميات. هي لن تقبل اعتذاري، و لكنها، و بكل بساطة، تعاملني و كأن شيئاً لم يكن.. تعاتبني، اعاتبها في عقلي.. و عندما يأتي وقت الجد، هي لن تعترف بالاعتذار، و لكنها و ان لم أبادر بالاعتذار ستمحو اي اثر لما كان بيننا، او هذا ما اعتقده و أمله على اي حال، فهي لن تتهاون في اصدار سلسلة من اللقطات الخاطفة في المرات القادمة التي أغضبها فيه. ستنساه لأن قلبها لا يسمح لها بحمل الحقد على فلذة كبدها، ولا ضميرها.
هي واقعية، أقدامها ثابتة على الارض، و أنا شاعرية، غير ان اقدامي خذلتاني..
احبها، و أحبتني، إذ انني في النهاية جزء منها، و هي جزء مني.

السبت، 12 يناير 2013

سر

كنت ولا زلت اخشى ان يقرأ غيري افكاري..

ولهذا، كانت جميع المذكرات التي اقتنيتها منذ بدأت ارسم خطوط يومياتي بكلمات و مفردات مبتذلة تخلو مما كنت اسميه "اسرار"، فأكتفيت بتدوين ما كان يحدث خلال نهاري، و بتوقيعات من صديقاتي، و بمقولات و أحكام اعجبتني.. ابداً لم اتطرق الى "سر" من الأسرار، فهذا كان سيؤدي حتماً الى المساس بأمن الدولة، بل الى كارثة كونية! 



في ذلك اليوم الذي فتحت فيه هذه الصفحة، وقبله عندما تركت لأختي حرية قراءة "بضعة" صفحات من ملف بإسم "خواطر" على سطح المكتب، كنت قد كسرت الحاجز الذي وضعته، ففتحت نافذة تطل على الغرفة التي تحتوي على خصوصياتي و وضعت من خارجها كرسي ليجلس المشاهد عليه و يتفرج على تلك المساحة الصغيرة التي تسمح بها النافذة، فقررت مشاركة أفكاري التي كنت أخشى من قبل أن يدركها غيري.

اليوم وجدت مذكرتي الصغيرة التي كنت اكتب فيها "ايام زمان"، ايام كنت اعتقد انني امتلك فائض من الأسرار لا ينبغي علي مشاركتها مع احد.. ايام لم اكن لـأؤتمن صديقة عليها.. مذكرتي جعلتني ابتسم، و من ثم أضحك. ضحكت عندما وجدت القفل الذي بالمستطاع كسره بسهولة، فكسرته و دخلت الى ذلك العالم السحري.. و مثلما ذكرت من قبل، كان العالم السحري صفحات من الكلمات البسيطة التي تتركب لتصبح عبارات و من ثم فقرات قصيرة.. فقرات و مقتطفات من يومي، لا غير.

اسراري كانت قصص أصبحت من السهل عليّ البوح بها اليوم، و من الأسهل ان أتسلى بالسذاجة التي كانت عليها.. ادركتُ انها لم تكن بتلك الخطورة.. لم تكن شيئاً سواء مواقف رفضت ان ادوّنها، و افكار رحت اتحدث عنها اليوم لمن كنتُ بالأمس بعيدة عن وضع الثقة فيهم.

اسراري لم تكن سواء هواجس و إستحواذات داخلية.
..لم تكن لتهدد أمن دولة، ولا لتسبب في إنلادع كارثة كونية.