الجمعة، 8 نوفمبر 2013

ارحموا من على الارض يرحمكم من في السماء



 في هذا الوقت من الاسبوع الماضي اخذت هذه الصورة. و رغم ان الصورة تعبر عن قطة سعيدة بين هرتين، الا ان القطة اليوم ليست سعيدة كما كانت.
قطة شارع هزيلة و هرتين لم تفتح بعد اعينها لصغر سنها، تلاقيك عند دخولك و خروجك من و الى البيت.. تحيي تلك الطفلة الصغيرة المفتونة بصغر حجمهم بمواء تحذير الا تقترب اكثر. 
أين ذهبت اليوم؟ الطفلة لا تعلم.. "مشوا لشارع ثاني" كانت الاجابة لتساؤلها عندما منعت من جلب بعض الحليب للأم كما فعلت في الاسبوع الماضي.
لكن الحقيقة التي صدت عنها الطفلة هي بقباحة العالم الذي لا تعلم عنه شيء مادامت بريئة تلعب بين الشجيرات بالدمى .. حقيقة ان للإنسان قدرة على ايذاء غيره تماثل القدرة التي لديه على العطف على غيره.
ماذا تمثل بضعة قطط شارع بالنسبة للمواطن الليبي؟ و لماذا غيبت الطفلة السعيدة عن الحقيقة التعيسة؟
لو كانت قصة ليبيا فيلم او رواية لكان ما حدث لهذه القطط الرمز الذي يمثل العلاقات فيما بين المواطنين الليبيين و تعاملهم فيما بينهم، فالقوي يأكل الضعيف و الصغير يهاب الكبير. الظلم مألوف و في اوقات كثيرة ينظر الى العطف على انه علامة ضعف.
لو كانت ليبيا قصة، لكانت الأسرة السعيدة التي تغيرت ظروفها بعد اسبوع في الصورة هي مثال للمظلوم في ليبيا، فلا نستغرب حينما يشبه من يريد تمثيل الأم الحنون بالقطة التي تلعق وليدها، و لا نستغرب ان عيني القطة تجسيد للبراءة. 
لا تجد القطة من يحميها و يحمي من عليها اعالته، لا تجد من يأخذ لها حقها، لا تجد شيء سواء الشر ممن يملك الأرض لأنه انسان و الانسان امام الضعيف قوي، لأنها قطة و القطة امام القوي ضعيفة.
الجريمة التي حدثت هي سرقة عابرة لأمومة القطة عندما تم تسميم الهرتين و انتهاك اجسادها الصغيرة بأداة حادة تسمح باقتلاع اعضائها التي تؤدي وظائف حيوية لأسباب لا يعلم عنها الا المجرم و خالقه، و تركهم ليتجمع عليهم الذباب و النمل و لسان الأم يحاول ابعاد كل متسلل.
نراها اليوم تائهة تموء و تلاحق اشباح طفليها، نراها نادمة لعدم حمايتهم في الوقت الذي احتاجوها فيه.." ترى هل كان سيكون الوضع مختلفاً لو انني ابتلعتهم و اعدتهم الى داخلي رغم انني سمعت البشر يضحكون على غريزتي هذه؟" قد تكون الترجمة لكل تلك الأصوات المزعجة التي تحدثها.
الطفلة لازالت جاهلة بمصير الهررة التي وقعت في حبهم، و لذا هي لازالت غائبة عن القباحة التي توجد في هذا العالم.
يوجد الخير مقابل الشر.. العالم ليس وردي الا لمن يجد من يحميه من السوداوية فيقبع غافلاً ساذجاً... بريئاً، و لا هو اسود الا لمن تلاحقه الغيم الداكنة حتى انه لا يبصر الوردية منها. هو خليط بين الاثنين و الواقعي هو من يتقبل هذه الحقيقة.. و لكنني متأكدة ان الطفلة لن تريد الاستسلام للواقع هذا، و لا أي طفل يقبع داخل كل انسان مهما تعدى به العمر، و هذا يتضمن الطفلة التي اتمسك بها بداخلي بالقوة التي تتمسك هي بي.
و لذا ارى انه من مسؤوليتي تجاه الطفلة تلك ان اردد التساؤلات التي تدور ببالها.. الذي اريد معرفته هو كيف لقلب ان يقتلع اخر دون اهتمام للعواقب المتمثلة في بقاء القطة الأم لوحدها في هذه البلاد التي بدأت تفيض بشراً مقابل قطط قليلة، كيف ليد ان تؤذي اخرى دون اهتمام للأذى الذي لا تخلو عقيدة لا تحذر من عودته للجاني مستقبلاً، كيف لقوي لا يرى اليوم الذي سيصبح فيه ضعيف و يعامل غيره بخوف من مصيره المحتوم.
كيف له ان يصارع روحاً و في نيته ايذائها؟ 
اعتقد ان مواءها لم يكن يكفي لإيقاظ حسه بالمسؤولية تجاه مخلوقة صغيرة من مخلوقات الله، و لم تكن تكفي لتذكيره بضرورة رحمة من على الأرض لكي يجد من يرحمه في السماء.

--
</3

الخميس، 24 أكتوبر 2013

زائرة الليل


بانتظاري كل ليلة، او بالأحرى انا في انتظارها... فلنقل اننا ننتظر بعضنا البعض حتى ننسج قصة تمرر الوقت و تجعلنا نؤمن بسحر القصص الخيالية و حبكات افلام هوليوود.

هي ساحرة، غامضة، تقف صارمة ازاء الخلفية الكاحلة و تعكس آمال العالم عندما تبتسم مضيئة الأرض بتلقائية تجعلك تعتقد انها تجهل عظمة تأثيرها هذا.. ولكن لا، ليست بغافلة.. فالسذاجة التي ترادف البراءة قد تضيف الأطفال جمالاً، و لكنها تقتل جاذبية ممن يملك عذراً لئلا يكون ساذجاً.
حينما سألتها ذات ليلة ان كانت تدرك انني اراها مرتدية تاجاً خفياً، لم ترد علي، و انما اكتفت بابتسامتها الصامتة تلك و علمت انذاك انها تدرك كل شيء.. و علمت كذلك انها علمت بمعرفتي تلك.. احسست بعدم الراحة في البدء لكوني ادركت للتو ان باستطاعتها ان تلقي نظرة واحدة علي و تفهمني دون كلمات، و لكنني اعدت النظر حينما تذكرت انها ميزة لا العكس، حيث ان معظمنا يشتكي من انه لا يجد من يفهمه، و ها قد ربحت التذكرة الذهبية مع ميزة اضافية عندما افهم نفسي خلال تلك النظرة الموجزة التي تحمل اسرارنا المتبادلة، و اسرارنا الشخصية.
هي ساحرة و غامضة و لكنها قد تكون مزعجة كذلك.. ليس الازعاج الذي يجعلنا لا نستطيع الصبر على الشخص حينما يتحدث، و انما الانزعاج من الاختفاءات المفاجئة.. حسناً هي ليست مفاجئة بالحق، و انما من الاختفاءات التي تجعلنا نشعر بالانزعاج لأننا لا نستطيع الصبر بانتظار الوقت الذي ستظهر فيه.
فلنقل ان لديها جدول عمل، فيه تظهر جانبها الناعم و تذكرنا بالطفولة عبر صورتها الأمومية الكاملة.. و ليلة اخرى لا نرى منها سوى عينيها الثاقبتين تتحدى فيه العالم.
الليلة هي شبه مختفية بين ضباب من الاشخاص الذين يحيطون بها بالاضافة الى الوشاح الذي تتوشح به، ولا نشعر بأنها على افضل حال اليوم، نرى انها تفتقر الى شيء و لكنها لا تطالب به.. حزمها يأتي على مراحل.. صورتها تتغير امام اعيننا و لكن صميمها لا يمس. لهذا السبب هي مميزة. تتأثر و لكنها لا تتبدل.

بامكاني ان استسلم لتفسير العلم للسطوة التي تحملها علي، و لكنني لا اريد تحليل، اريد فقط ان اغرق في قاع من الاحتمالات التي لا تخبرني بالحقيقة و اظل اخمن حتى يقبض على روحي.
ففي اللحظة هذه، الحقيقة هي واقع انها ساحرة و غامضة.
ساحرة و غامضة و ذات قوة اتمنى الاستحواذ عليها لنفسي و لكنني اعلم ان السبيل الوحيد هو بانتظارها كل ليلة.

الجمعة، 16 أغسطس 2013

خلي عندك شويا empathy

عين واحدة للنظر الى الحياة قد تكون كافية لنصمد وحدنا.. فنصبح من خلالها التمثال المتحجر الوحيد الذي لا ريب فيه ولا في حقيقته، و لكننا بحاجة الى الاخرى لكي نرى حقيقة ما حولنا بشكل منفصل عن الحقيقة التي اتاحت لنا رؤيتها العين الأولى.. 
العين الأولى هي نافذتنا الى داخلنا، و منها نرى جوهرنا. 
اما العين الثانية، فهي النافذة الى مجتمعنا و منه الى أعين غيرنا..
بتشغيل العين الثانية، نرى حقيقة بقية الانسانية و نصل الى جوهرها.
العين الثانية هي التعاطف. 
الأولى بدون اخرى تجاورها في اسوأ سيناريو لها تصبح النافذة ذات المقابض الفولاذية، سجناً بداخلنا لا نخرج عنه ولا نجد اصلاً واقع غيره، لا ندري اننا بالداخل محصورين، لا ندرك ان هناك "خارج".
اسوأ سيناريو للعين التي تقف منفردة هو الانانية، و افضل سيناريو لها ازاء العين الأخرى هو التواصل.. التعاطف.

عين واحدة قد تكون كافية لنصمد وحدنا، و لكننا بحاجة لأخرى لكي نصمد في جماعة.

 - خلي عندك شويا empathy. - 

الجمعة، 9 أغسطس 2013

ان لله و اليه راجعون


ما بعد الحياة، الصورة الكبرى، الجواب الكامل.


الا يجدون في قلوبهم التفسير.. ذلك الذي يقول بأن رؤية الصورة الكبرى فيما وراء هذه الحياة يكمن هناك، بين طيّات الزمن و في اللحظات الفارغة و فوق ضبابات التفكير التأملية بين اليقظة و النوم، بأن هذا السر الذي هو الطريق لأسرار الوجود بأكملها يجب ان يخفى و يبقى مخفي على من يتمسكون بسكاكين الخبز و الحبوب المنومة على امل ان يختفوا من الوجود نهائياً، حتى لا يفقد السر معناه.. بل حتى لا تفقد الحياة معناها.
الذين لم يجدوا في قلوبهم ذلك التفسير ينبغي عليهم ان يتشفوه بعقولهم، تلك التي جمالها يقطر كما تنزلق حبات العرق الرطبة من على جبهات محللي المعادلات الحسابية المعقدة، و كما تخرج تأوهات البقرة المتوجعة الم الذبيحة التي تقدم موزعة على شكل بروتين بين قطع الخبز و داخل قدور الطبخ.
العقول الجميلة التي بامكانها ان تختار بين طريق العقلنة و التقبل؛ ليس لكل طريق وجهة مختلفة، و انما على العكس تماماً.. كل طريق يطري الأخر، و يظهر مساؤي غيره في ذات الوقت.

شخصياً، وجدت في قلبي ذلك التفسير.. و ان كان التفسير كامل لا يحتاج الى الاتجاه للعقل الجميل، كان الدمج بين طريقي العقلنة و التقبل كما يفرح الطفل بتناول الحلو و الحار في لقمة واحدة هو الطريق الذي اخترته.
-- 
فاجعة الفناء المادي المستمر تتربص ثانيةً اليوم و ان كانت متخفية في صورة من عليه ان يعزي لا ان تقدم له التعزية.. الفكرة ليست في معرفة من هو الذي جاء دوره لتتحلل جتثه، لا اعرفها اطلاقاً و انما اعرف من يعرفها و هذا يكفيني.. ربما لهذا انا لازلت على طريق الجمع بين كل تفسير. 

(ان لله و ان اليه راجعون.)
  

الخميس، 6 يونيو 2013

يوميات لا تحدث فيها شيء


ستة، ستة -2013
--

يبدأ على تمام الساعة التاسعة، لا تزيد دقيقة و انما تنقص دقيقتين، لحظة استيقاظي و كأنني على موعد مع الصباح و ضوئه المبهر الذي تسلل عبر النافذة و انعكس على طلاء الغرفة، طرق على عيني فاذا بهما تطرفان..
لم تستوقفني روعة هذا الصباح بقدر ما تقت الى التخلص من بقايا النوم فهرعت لتفريش اسناني.. في طريقي القصير جداً و انما الثقيل بخطواتي المرتخية، وجدت ما يدعوني لالقاء السلام الودود ولو جاء على لسان جاف بنبرة تفتعل اللامبالاة، سلام اطلق جناحيه و استرسل يبحث عمن يمثل الدفء و الحب في هذا العالم الفوضوي، حتى يبلغ مسمع رمز الوجود في ديمومته في نظر شخص يطرح الكثير من الأسئلة ليجد الخيارات امامه للفحص و الغربلة، مجسدة في شخصيات ذات بعد واحد من منظوره هذا؛ "صباح الخير ماما". 

الفطور: الوجبة الرئيسية التي لا ينبغي الاستغناء عنها؛ لا من قبل اصحاب المسؤوليات المتعددة و ذوي الأيام المزدحمة، ولا حتى من قبل اشخاص تصغر قائمة مهامهم مع كل خطوة يتخذونها باتجاه الثلاجة لتصل الى الصفر بحلول وقت الوجبة، فيكون سبب الاستغناء هو الكسل و احتفاء باكتمال المهام على القائمة تلك قبل ان تبدأ حتى.
لم أكن اليوم من الصنف الأول، و لا (و أستغرب) من الثاني.. و لذا امتعت نفسي بزبدية كبيرة من رقائق  الشوكولاتة "الكوكو بوبس" بعد وقفة طويلة أمام محتويات الثلاجة دون ان تنجح ملامح وجهي في البوح بحقيقة كوني غائبة عن تلك اللحظة في محاولة مني لإعادة احياء الحلم الذي قاطعته اشعة الشمس بملامسة جفني.
مصاحباً لزبدية الرقائق الضخمة التي اعددته لنفسي كان كوب من شاي الفواكه الخالي من الكافيين، و الذي يعد رفيقي الملازم لي، حتى انني على ثقة من انه لن يمانع لو اضطر لوصف يومي هذا بالتفصيل الملل (و لكن هل من الممكن ان يصبح اكثر مللاً من هذا)، حتى انه لن يضطر الى طرق رأسه بأصابعه ليعد الى لحظة دون اخرى ضارباً بذلك المثل في الذاكرة الحديدة - اقصد الفخارية -، التي لا تخطئ ابداً.

يسير اليوم على ما يرام، فأتصفح رسائلي و انا اعلم انني سأجد واحدة من اقرب صديقاتي تذكرني بما تم الاتفاق على مراجعته ضمن الاستعداد للامتحانات التي على فكرة حتما تقف الى جوار الباب التي ستمر منه (الامتحانات على الأبواب) و تضحك على الأرجح على حجم الجهد الذي ابذله لابقاء عيني مفتوحتين، فينال الملل منهم و تذبل معها الرغبة في العودة الى مقعد الحصة المزدوجة التي دائماً تأتي بعد الجرس الخامس مرتين اسبوعياً، و لو انني وقتها تمنيت سراً ان تدوم دوام العمر، وجدت نفسي اليوم اصارع و انتظر بفارغ الصبر حلول الجرس الذي يعلن عن موعد العودة من المقاعد حتى اتضح لي انه قد ضُرب لحظة دخول الملل متسللا على طريقة دخول الشمس.. تضحك الامتحانات على انتباهي الضائع حتى وجدت نفسي بين مجموعة الأفلام التي نحتفظ بها للحظات الكسل هذه، فوقع نظري على ما اتضح فيما بعد انه يستحق لقب الأكثر مثيراً للضجر في المجموعة بأكملها (تماماً مثل الأسطر هذه)، فخطر على بالي ان اعود الى كتبي رحمة و رأفة بنفسي التي في غمرة الهروب من الأسد سقطت في الحفرة.. كان ذلك سيكون نهاية الفيلم اينما اوقفته لو انني لا امثل القط الذي كاد ان يقتله الفضول.. فجاء شوق للنهاية.

اليوم وصل ذروته ببطء من تعلق أمله باستنشاق رحيق هو انعكاس لأسطورة اشعة الشمس التي تخللت زجاج نافذتي صباحاً، فخاب حينما اكتشفت ان درجة الحرارة تتعدى درجة امس بأشواط حتى انها لتذيب راكبة المكنسة، و لخفت لولا انني اخشى الاماكن العالية و بيوت العناكب - ما يثبت فعلاً انني لست شمطاء راكبة المكنسة، و لكنني لم اشتم رائحة الزهرات بعد تلقيحها ظهيرة اليوم رغماً عني حتى ساد الهدوء على مزاجي و طابق الطقس كسلي.. يسير اليوم باعتياد و لو ان العالم لم يهتز للعابي الذي سال قبل و بعد رؤية ذلك الوهم الخيالي الموجود في قطعة الشوكولاتة التي التهمتها على عجل (حدث استفزاز من قبل القطعة التي جلست تحدق بي، فنادت، و ألّحت حتى قبلت عرضها)، لتعجبت لانبهار العالم من المرح الذي ابديته تجاه انقطاع الطاقة على منطقتنا، و كأنني تذكرت فجأة ان السعادة لا تتحقق في ظل المقتنيات الشخصية و سموها على العلاقات البشرية، و انما تتحقق و تثبت بين قهقهات الأخوات و لعبهن الطفولي.

يستمر اليوم، حتى انني اقرر انني بحاجة لغذاء لعقلي -حسب تعبير جدتي- ليجردني من الاحساس بالكسل الذي يطغى على كل رغبة ابديها سطحياً في احداث فارق بيومي هذا، كتب الدراسة قد ضقت ذرعاً بها، و لكن كتاب خارجي ليس له صلة قريبة ولا بعيدة بما علي اثبات انني على معرفة به بدءاً من الاحد هو ما استحوذ على انتباهي و لم يتركه حتى قرأت السطر الأخير و الخفي من بعده و الذي يقول بثقة باحث عثر على ضالته "تم اثبات الأمر"، ابتسامة و لكن دون عناق يجمعني بالكتاب كما هي العادة حينما يكون اسراً، اخذاً للعقل.. ابتسامة تكفي هنا.

اليوم يستمر.
و يستمر. 
و يستمر. 

حتى اقرر انني بحاجة الى ان ارغم نفسي على كسر الكسل هذا، فيتداعى صوت رخامي يتبعه نغم، فتهافت على القفز معه الى اعالي السماء، ربما التقطه و ربما لا، بحركة تبدأ بعنف و تنتهي بخفة روتينية فسقطة تشبه تلك التي لا انساها مادمت حية.. لا انساها بل اتذكرها طيلة الوقت على وعي و دون وعي.
لربما تتذكرها الطاولة الخشبية، فقد تنصتت الى حديثي الذي جرى مع ذكرياتي حتماً.. و لربما تتذكرها اشعة الشمس التي اخترقت الزجاج لتقاطع الحلم المكرر، فتنقذه من بؤس الاعادة المهينة التي طرأت عليه فجأة بعد ان كان كابوس يصعب التعود عليه متربعاً على سدة الحكم مثيراً في الرعب.. حتى اصبح روتينياً يقتل من الملل.

و سيستمر اليوم و يستمر و يستمر حتى يقرر الحلم ان يرجع متقهقر الى الجحور التي تتخذها الأحلام ذات العمق المعنوي حينما يضرب النعاس بقبضته على مرأى من القمر، و تصبح الجفون مثقلة بأسرار الكون مخالة انها اوهام.. كل هذا على مرأى من القمر الذي حياؤه يمنعه من استراق النظر بأن يجعل شعاعه يتسلل منكسراً على زجاج النافذة.. فتقبع النافذة بانتظار شعاع الشمس و تعد الساعات، تنتظر سر الحلم اليومي الذي يبدو انه قابل للنسيان من قبل الجميع.. سوى القدر الذي يعيده باستمرار بنفسه.

الأحد، 28 أبريل 2013

الى اين


#الى_أين


نرى شيئاً براقاً لا يشبه الأشياء التي اعتدنا عليها، نرغب به، نسعى للحصول عليه، و ان كان سعينا مقترن بارادة و دعم سماوي يكون الشيء من نصيبنا.. 
كنت سأختم تلك القصة بالختم غير النهائي المتمثل في عبارة، "دوامة لا تنتهي" و لكنني وجدت في هذه القصة المكررة سيناريو اخر تجد نهايته محبطة.. 
قصة شخصاً رأى فراشة الوانها تمثل بعداً ليس ممكناً بعد لرؤية الانسان ان تلتقطها لو كانت مرسومة على اي شيء اخر خلاف اجنحتها الشفافة.
ذلك الجزء المتعلق برؤية الأشياء التي لا تشبه تلك التي اعتدنا عليها، يراها فتعلق الصورة بذهنه و يدرك انه يرغب بها و في الاحتفاظ بها، ليس من الأمن ان يتركها في الخارج تهيم على هواها، ولا من العدل حسب مقياسه ان يحصل عليها شخصاً غيره و هو اول من يراها، و بالطبع ليس من العدل كذلك ان تكون هذه هي الشيء الوحيد الذي يرغب به ولا يسعى للحصول عليه، ليس من العدل بالنسبة لكل تلك الأشياء التي اصبحت من نصيبه من ذي قبل، و لا لتلك التي ستلحقها حتماً، و هو الشخص الذي يرى كل شيء و يريد كل شيء و لذا مستعد لأي شيء يتطلبه الأمر. 
السعي للوصول الى الشيء بعد التأكد من اننا و بكل تأكيد نريد ان نضمه لممتلكاتنا هو ما توفر لهذا الشخص التوّاق لتجربة كل شيء، الخائف من زوال اللحظة و ان كان يعلم انها لن تدوم.. اجتماع هذه الظروف لم تكن لتوقفه لولا الظروف التي جاءت لتضيف الى المشهد بأكمله نكهة مختلفة تكاد تشبه رائحة الحطب المحترق الذي يشي بألم لا يمكن وصفه.
مثل الرائحة هذه التي لا تدوم هي الفراشة اذا ما اقتلعت من بيئتها و وضعت حيثما يريدها، ذلك الذي يخشى فرارها و تعديها للأسوار التي ترسم حدود جديقته الخلفية. 
كيف لها ان تبقى تتوهج الواناً و هي محنطة و مبروَزة و معلقة على حائط لونه يصبح موازياً في الحدة لألوان الفراشة بعدما انطفأت..
بل كيف له ان يعتقد انه انقذها من يأس الفناء اذا كان سيعني انها ستكون غير فانية، حية، الى الابد و هي محصورة في شكل هندسي ذو بوصات محدودة.. و ان كان سيتجه للقيد الأكثر الماً بالنسبة لنزعتها الطبيعية في ان ترفرف اجنحتها و تتجه نحو المجهول، سيضعها في مرطبان به عدة ثقوب صغيرة، يراقبها بشغف و انبهار متجدد يخلو من التفكير في احصاء العمر الافتراضي الذي يدق اسرع مما ينبغي لجمال نادر كالذي تحفظ سره اجنحتها.. الأكثر الماً بالنسبة اليها هو الاّ تتحصل على الفرصة في ان ترفرف اجنحتها.. ان تكون مجرد قطعة مجوهرات في صندوق يحفظها بين اخريات تملئ القاع هو ما يخيفها و يؤلمها التفكير فيه حتى، و في المقابل كابوسه هو متمثل في فراشة تأبى ان تقطع جناحيها من اجل الخلود، و ترفض ان تصبح في قائمة الانجازات الخاصة به.

--
لماذا نرغب بكل شيء؟ ماذا بنا كبشر لم نعد نألف الطبيعة و نفضل ان نجعلها من ممتلكاتنا الخاصة و لو على حساب تألقها الطبيعي الذي لم نكن السر من وراء وجوده؟ 

#الطبيعة #البيئة #التطور #الى_أين #المادة

الجمعة، 15 مارس 2013

أريد ان أحيا

"و لكنني اريد ان احيأ".


هكذا تأتي الاجابة، و لكنها اجابة مختنقة من تحت أنفاسها.
هكذا تفعل في الخفاء.. تحاول ان تحيأ.

قراءة كتاب ملهم، هو الكيفية التي تتجلى فيها محاولتها هذه.. كتاب عن التنويم المغناطيسي و أسرار خداع اللاشعور.

رفض الكوابيس التي تنهال عليها من تحت عينيها عندما يغلبها النعاس و تقرر ان تطرفها أصبح اسلوب الحياة الذي تتخذه منذ وقعت ابصارها على الكتاب على رف مكتبة لم تعلم اين او كيف وجدتها.
ليست منطقية فكرتها هذه عن النوم تحت التنويم المغناطيسي حيث لا شيء بامكانه ان يعيد الأفكار الى السطح، ولا شيء حتى و ان كان جالساً فوقها كما تجلس اسطورة "نايت مير" فوق ضحاياها، لا شيء بإمكانه ايقاظها و لذا لا شيء بإمكانه ان يمسسها بأذى.. ليست منطقية لمن لم يجرب ان يكون فريسة لما وقع ولا يمكن له تغييره، بإمكانه فقط ان يندم دون ان يظهر ندمه، بإمكانه ان يصبح زجاج متهشم من الداخل بينما هو يتلألأ مثل الألماس من الخارج.. 
و لذا كتابها هذا هو فارسها الذي جاء ليقتلعها من الخطر الذي وقعت فيه، جاء ليخلصها من كوابيسها و ان كانت الضريبة النهائية هي التخلص من الأحلام في الوقت ذاته.
لا يعلم بأن الزجاج الذي بداخلها سيصبح اثر عمليته منتهي الصلاحية و سيأتي اليوم الذي ينغرز كما يفترض بالزجاج ان ينغرز داخل أعضائها الحيوية.. و يريدها ميتة.

"أريد ان احيأ و لكنني ميتة من الداخل، ذابلة مثل اي شيء تلمسه يداي. انا ميتة."

هي أدرى بما تشعر، و لذا لا تكذب عندما تعترف بأنها لا تلتمس احاسيس بداخلها، ولا تشعر بما كانت تشعر به من قبل.. بأنه في مكان النغم الجميل الذي كانت تسمعه أصبح هناك ارتداد مزعج كالشوكة الرنانة في اوج انغماسها.
لا تكذب عندما تخبرك بأن الكوابيس انقضى زمانها.. لأنها ايضاً تلمح بأن الأحاسيس الجميلة رافقت الحافلة المغادرة و هي ايضاً انقضى زمانها.. انتهى عهد كل قوة كانت قد عهدتها قادمة من داخلها.

هي ميتة لأن كل شيء ميت بداخلها.. في الوقت الذي كان عليها ان تعلم بان كل شيء متوازن في هذا العالم، و ان المغناطيس بإعتباره جزء من هذا العالم لن يخون طبيعته بخيانة التوازن و الاخلال به.. فإن اردات ان تختفي الكوابيس، عليها ان تتقبل فكرة اختفاء الأحلام كذلك.

"أريد أن أكون.. حية."

الجمعة، 8 مارس 2013

قوى خارقة

"الكابتشينو يعطي قوى خارقة."
دماغي طار بيّ ولا يزال يطير الى ابعاد لا اصل اليها الا في ذروة نشاط عقلي.. هي ابعاد من الكون لم يجدها بعد من لم يصنع لنفسه كوب من الكابتشينو الدافئ بإستخدام "شيشة" و ذلك عندما لم يضع حليب ممزوج بملعقة من النسكافيه بالإضافة الى ملعقة من النسكويك و واحد من السكر.. من لم ينهكه التعب في ذراعه عندما رأى ان "شيشة" النص ليتر هي البديل عن الخلاط حتى لا يضطر لأن يضيفه الى كومة ادوات المطبخ التي يلزم عليه غسلها.. من لم يبحث عن فنجان ابيض ناصع ذو هيكل يعطي له شكله المدور الملائم للإمتلاء بهذا السائل الذي يهمس له بشعارات تناقض تلك التي يسمعها كصوت ابيض اثناء كل تلك الايام التي يكون فيها فارغاً من الطاقة.. مفروغ من الذي يحفزه على ان بكون له طاقة.. مفرغ من الأمل.
الكابتشينو الذي اعددته، و الرغوة التي رفرفت على شفتي كأنها سحابة بلون الكراميل الذي اعشقه.. تخبرني بأن كل شيء على ما يرام هذه اللحظة، بأنني في اوج نشاطي و اشعر بالقدرات تنطط الى اعلى و اسفل و حولي في دوائر تكتمل معها الثقة في الذات.. بأنني امتلك قوى خارقة للإدراك مثلي مثل غيري.. فهذه القوى ليست خارقة لأنها تخترق قوانين الفيزياء و تطعن في حكم الطبيعة، و انما هي خارقة لأنها لا تخترق الا أذهان اولئك الذين بإمكانهم التمعن في القوى، فقط ممن يجرؤن على ادراك القوى.. و هذا لا يحدث غالباً الا بوجود وسيط يذكرك بما كنت قد نسيته، هناك في عالم المثل الذي استطاع ان يصل اليه افلاطون عبر كوب الكابتشينو خاصته الذي لا بدّ ان يكون من صنع يديه.. هكذا يخبرني، و انا اصدق.

و لذا اعتقد انه قد حان الوقت لإعادة صياغة الجملة الأولى التي ابتدأت بها الخربشة هذه و التي تقول "الكابتشينو يعطي قوى خارقة" و استبدالها بـ" الكابتشينو يساعد على ادراك كل تلك القوى الخارقة بداخلنا والتي لولاها لما كنّا لندركها الا بعد فوات الأوان، حتى و لو ان الكابتشينو الخاص بك يتمثل رمزه في شيئاً مختلف كلياً كصديق نشيط يحفزك على النشاط معه، او نغم بسيط قد لا يجد غيرك فيه اسرار الحياة التي وجدتها انت.. دائماً ما تكون النتيجة النهائية، و لو كانت للحظات محدودة، ادراك القدرات.. فقط الخدعة هنا تكمن في الاّ تصبح من مدمني الكابتشينو حتى لا يزول سحره." 

الخميس، 7 مارس 2013

فراغ


‎("تفلسيف"، قداش ما هي مستفزة الكلمة بعض الأحيان، و لكن هذا ما هو عليه الأمر الان: "تفلسيف" او هكذا قد تقول صديقة من اللواتي ترين انني اعطي كل موضوع اهمية اكبر من حجمه)

عندما يكون الخواء الذي اجده يتلمس الطريق بين جنبي ملازما لظاهرة الثقة بأن القادم لن يحمل معه ذات الاحساس بالفراغ الداخلي، اشعر بالتحسن على الفور و ان لم يكفي ذلك لسد الثغرة ولو بشاش مؤقت.. و كأن الخواء ذلك لم يكن سوى من صنع الذاكرة التي تشهد على مواقف كنت فيها الطرف الذي لم يقدم شيء في وسط اعطى كل شيء كأنه يتخلص من كل شيء الذي يتجسد في الصوت قبل المادة ليتخلص بذلك من الذنب الذي لم استطع الافلات منه.. لم استطع الافلات منه و لذا الذنب هو رفيقي، و انا الخواء بذاته.
الذنب تؤام الاحساس بالفراغ لأن الفراغ ثقيل و لو انه هواء معدم يشي بعدم تورد الزهور في تلك الجهة من البستان، و الذنب اثقل من الفراغ و الذي لا يخشى الاعتراف بعدم نضوج الثمار و لا يترك الفرصة امام الصدفة لتفضحه لأنه التؤام الشجاع الذي لا يهاب شيئاً.. تؤامي هو التؤام الذي يتقبله الجميع و لو على مضض، و لكنني الفراغ الجبان الذي يتظاهر بكونه ممتلئاً حتى و ان اضطر اثر تظاهره ان يتشرب الماء المالح ليثبت امتلائه.. 
كلنا يرغب بالذنب مقابل الفراغ.. و لكن المصيبة و ان كانت السابقة صعبة، تكمن في فاجعة اقتران الذنب بالفراغ و ملازمتهم لبعض.. لا احد يريدهم او يرغب باستضافتهم.
كلاهما مقرونين ببعضهما و ملتصقان بي.. الاثنان يرفضان تركي، و ان كنت انا الفراغ في ذاته.

--
#مش_لازم_تفهموا ، اصلاً بروحي مش فاهمة.

السبت، 2 مارس 2013

لمبة ملونة



اللمبة اللي فوق رأسي بدت الألوان تتغير فيها.. احمر، طرطاري، ازرق كل التدرجات.. حتى يعم الظلام ارجاء الغرفة كلها و تنعدم الألوان.
اللمبة ولت كحلة زي لون قطوسة جيراننا..
انقول عادي، اقل شيء الظلام يجيب النوم..
الفكرة لما ترقد خير ما تقعد في رأسك دون القدرة على تحقيقها..
رقدها شويا، اعطها حقها في السكون و لا ترفض رغبتها في تبني اسلوب حياة اليرقة اللي غاطسة في الشرنقة في سابع نوم.
و عندما تستيقظ من سباتها.. قد تصبح فراشة تصادق اليراعى لتضئ لك الطريق الى صندوق مفاتيح الكهرباء.. هذاك الوقت لازم تكون تفهم في اليتريك و ترد بالك يصكك. هكي ترد الضوء الى اللون الطبيعي، و اللمبة تصبح مستنقع خصب لإنتاج الأفكار من جديد.

--
شويا كلام فاضي على السريع.

الثلاثاء، 26 فبراير 2013

مؤامرة

كل شيء (مؤامرة).
هذا هو التفسير الذي وضع عنوة داخل رؤوسنا منذ اللحظة التي تعلمنا فيها قراءة اسمنا، و هو نفس التفسير المتوقع منّا منذ اللحظة التي تعلمنا فيها كتابة اسمنا بخط النسخ .. كل شيء (مؤامرة) لأن كل شيء من الممكن ان نجد له جذور خبيثة اذا ما بحثنا جيداً.. عندما يكون هذا هو الدافع من وراء البحث منذ البداية.
حتى ان هذه الكلمات هي في واقعها (مؤامرة) خططت بخط الرقعة ضد (مؤامرة).

 --
المناهج الدراسية التي وضع اسسها في واقع لا يعرف كيفية تبرير سبب فشله سوى بأكذوبة الـ(مؤامرة). 

الاثنين، 25 فبراير 2013

لا تحاول

ان تدخل متاهة ولا تخرج منها حتى تكون قد اختبرت كما هائلا من المشاعر المتناقضة و المتطرفة، ان تحاور نفسك في حيرة، غير متأكد ان كنت على استعداد للخروج او اذا كنت تريد ان تطيل البقاء لتتأمل تساقط الأوراق من على الأشجار و معها تسقط بالتوالي من بين عينيك دمعة لتسقي تلك الورقة و تصبح سندها لتكوّن جذورها هي بالتالي داخل الارض التي لا نعلم عنها شيئا سوى انها ميلاذ الأوراق الوحيد.. و ميلاذنا.. ان لا تعلم ماذا تريد بالفعل لأن الواقع يصطدم مراراً مع ما نراه في الأحلام.
هذا هو ما يعنيه ان تكون شخصا في هذه الدنيا، تتأرجح كل يوم بين التشاؤم الذي قد تقود نفسك من خلاله الى معدة الحوت الضخمة، و بين التفاؤل الذي يظهر منك ذلك الأحمق بداخلك.
لا يهم مقدار حزمك حسب رأيك، ولا مدى صرامتك تجاه إظهار هذه المشاعر و مشاركتها مع غيرك، انت تفيض بملوحية مياه البحار التي تطغى على كوكب الأرض و ما يتعداه.. أراها تجري في عروقك و في بياض عينيك.. و لذا لا تحاول ان تتعب نفسك في إتقان مسرحية ادعاء النكران.
لا تحاول.

الثلاثاء، 19 فبراير 2013

تردد


التردد يظهر على مشيتي و ابتسامتي المتوترة و يطغى على اسلوب اتخاذ القرارات الذي لا اظهره كثيراً.. 
يظهر من حيث لا ادري من بين الأسطر حتى أكاد لا اجد سطرين لا يحشر نفسه بينهما.. أجده في نبرة صوتي اللامنتمية و لا أجده في الوجوه التي تشعرني بالانتماء، كيف هذا و الانتماء جنس لا يليق به ما يخاجلني..! و كيف له ان يتسلل الى عالمي دون ان يلتصق بغيري او اقله يلاحظونه علي..؟ 

أجده يبتسم بخبث من وراء المنابر التي انوي ان اكون من روادها و يترصد تحركاتي كلما اقتربت منها.. يخاطب الصفات الأصغر حجماً و لكن قوية الفتك عندما يمارس معي اسلوب 'الاستعانة بصديق'.. و من ثم يأخذ عطلة سريعة اتداوى خلالها من اثاره حتى اتيقن من كوني قد شفيت منه بينما الحقيقة التي لا ادركها الا بعد عودته تكمن في اليومين التي يشحن نفسه خلالها مستعيناً بتقرير مبعوث من مبعوثه عن احداث عطلتي حتى يتسنى له العودة لممارسة وظيفته بقية الاسبوع. 

#حلقة_مفرغة_لفتاة_مترددة

الجمعة، 15 فبراير 2013

مغامرة


بتلقائية تشبه التلقائية التي تستيقظ بها صباحاً و تجلس فيها وحدها غارقة في افكارها، حملت الحقيبة الظهرية التي انتهت من وضع كل شيء ستحتاجه فيها، و لم تتردد في فتح باب غرفتها متسللة عبر الرواق حتى وصلت باب البيت.. امام هذا الباب، وجدت نفسها مترددة استفتحه ام ستنتظره حتى يقوم هو بعرض نفسه عليها، ازاء التردد هذا احست بالضعف الذي تشعر به كلما وقفت متربصة بالوضعية ذاتها التي تقفها امام أي فرصة يسمح لها من خلالها ان تقرر مصيرها في فعل ما يحلو لها.. الضعف تجسد في صوت بداخلها اخبرها انها ليست قادرة على فعل ذلك، ليست قادرة على دفع الباب لأنها تخشى العواقب، و لأن المقبض قد يحفظ بصمة يديها ليشي بها، و جرس الباب قد يلتقط صوت شخيرها و هي مستيقظة و يشي بها، كذلك السجادة المتسخة قد تحتفظ بأثار حذائها فوق الطبقات المتكدسة من الغبار و يشي بها.. و ان علمت ان مخاوفها هذه غير عقلانية و انما فقط محاولة رخيصة من نفسها اللاواعية  لتغطية خوفها مما هو اكبر، هي لم تلحظ و انما فقط وقفت هناك و ظهرها للباب تنظر الى افق لم تراه من قبل في مكان الردهة الواسعة التي استقبلت فيها كل من كان سبب في تعاستها في هذه الحياة.. الطنين المزعج الذي استيقظت عليه اصبح اكثر صخباً و ازعاجاً عندما تذكرت الاسبوع الماضي و ما حدث فيه، و لهذا احست بضرورة الاستسلام لما وراء الباب لكي تتهرب من افكارها التي لم تقف يوماً الى جانبها.. الذي لم تدركه انه باستسلامها للباب، لم تكن تستسلم في الحقيقة و انما كانت تغامر. الباب الذي فتحته كان مغامرتها التي لم تكن تعلم قبل اليوم انها قادرة على الخوض فيها. 

رثاء رفيقي الفخاري

لامس مرفقي الضحية دون قصد حتى انه لم يستوعب ما حدث فور حدوثه، و انما احتاج الى ما يدله عبر انين تبلور لحظة ارتطامه بالأرض و تهشمه اثر اصطدام الفخار رخيص الصنع بالرخام متين البناء لكي يربط الصوت بنفسه.. الأثر الذي خلفه الاصطدام الناتج عن الملامسة البريئة كان قطع مبعثرة من رفيقي المفضل.. لا بل، الوحيد.
اليوم، دون نكهة الشاي المنبعثة من جداره، انا حائرة فيما افعل.. لم تعد الرشفات تكفيني ولا الطعم مما يستهويني. اصبح مجرد روتين، لا عاد يعنيني.. 
اعتقد انه من الصعب استبدال الكثير من الأشياء المادية البسيطة لو كان هناك رابط تاريخي وجودي عاطفي تشتركون فيه، و خاصةً تلك التي ترافقك في اللحظات الصامتة من يومك و تجالسك جلسة المتفهم دون تساؤل، فقط تستمع دون ان تبشرك بجنونك.. تلك التي تعرف اكثر مما تسمح به لغيرك ان يعرفه بشأنك. من يعرف انك تفضل السكر الناعم على الخشن لأن رؤية الفقاعات التي يكونها السكر الناعم في الماء الساخن يبهجك، قد لا يعلم انك تحب مشاهدة البخار يرتفع ليتحد مع الهواء كما لو انه يهرب ليخالف نمط حياته الأول و يبدأ الجديدة مع من يشابهه في الصفات.. قد لا يعلم غيرك انك تحب الجلوس على الاراضي الخشنة لكي تشعر بجدارتك في هذه الحياة لأنك لم تجد بعد فرصة لإثبات ذلك..
لا يعلم سوانا ما لا يمكن لأي كلمة ان تعبر عنه، و لا أي حديث مهما كان عميق لأن يسمح باستنتاجه.
لا يعلم سوى ما اصبح من الماضي الان و في سلة المهملات عن افكارك السخيفة و التي قد تثير الضحك و ربما ايضاً الشفقة لجنونك مقابل كل اولئك السيدات و "الآنسات" المتزنات اللواتي سيكنّ اكثر من مسرورات لتناول الشاي في ما قد تحطم.. 
والان عليك البحث عمن يستمع الى صراخك المكتوم دون استغراب.. و عمن يقبل ان يكون الوسيط الذي ينتج الصوت الذي تبحث عنه بداخلك.. بملعقة الشاي و جدار الفخار الذي يجعل من ماديته ممكنة سأظل احاول حتى اجد موسيقاي الخاصة.. نوتتي المفضلة.
و اصبحت اجزم الان ان حتى هذا لن يتفهمه سوى رفيقي الذي اصبح على الأرجح بين بقايا عشاء الأمس و مخلفات اليوم.. 
له اقول ان مرفقي يعتذر، و يعرف انه سيندم عندما افاجئه الغد برفيق جديد اكثر ثقلاً و مثيراً للتعب منك لكي لا يخطئ بعد ان نكون قد انسجنا احلامنا معاً. 
هكذا، لن يكون باستطاعته ان يفرقنا بعد الان.

الاثنين، 11 فبراير 2013

بحث ام استكشاف؟

انا القب نفسي بالفتاة التي تبحث عن ذاتها، و لكنني لم ادرك الا الان انني استكشفها لا ابحث عنها.

اعتقد ان الفرق بين الكلمتين "بحث" و "استكشاف" فيما اعنيه و اقصده من كلامي، لا فيما يمليه علي المعجم، هو الفرق الكامن في الفعل.. 
الشخص الذي يبحث، لا بد من انه يحاول ايجاد شيء محدد.. هو يتوقع ان يجد ما يبحث عنه جاهز و بمواصفات خاصة.. لا يتوقع ابداً ان يتفاجأ بما يجده.
اما المستكشف، فهو من وجد شيئاً و الان يحاول ان يتعرف على تفاصيله الدقيقة. لا يعرف ماذا سيجد، ولا ماذا سيكون امامه ولا ماذا سيظهر من خبايا هذا الشيء الذي وقع بين ايديه. قد يكون طيباً مثل امه، و قد تكون شريرة مثل نواياه الخفية.

انا المستكشفة، وقد وقعت بين يديّ و الان احاول ان استكشف كل ما هناك لأكتشفه بشأن نفسي.
اعلم ان النتيجة غير مضمونة، و قد لا تعجبني.. و لكن هذا لا يهمني لأن المستكشف الحقيقي هو الذي لا يخشى ان يجد في الصندوق الفولاذي الذي بين ايديه افعى مسمومة ان كان يعني انه قد يجد كنزاً ثميناً.

سوف القب نفسي بالمستكشفة لأن لعبة "استكشاف الغابة" كانت لعبتي المفضلة التي اخترعتها و ارغمت اختي على ان تشاركني في لعبها اثناء طفولتي، و لأنني لم اكن اخشى ان تلسعني النحلة ان كان يعني انني سأكون قادرة على مشاهدة بيتها.. 

لا اعلم من سأجد بداخلي، و كيف ستكون.. و لكنني اعلم بأنني اتوق لأن اتعرف عليها. 

---
اكتشفت بداخلي شخصاً غير متوقع.. و الان قد جاء الوقت لكي اتعرف عليه بشكل اكبر. 

السبت، 9 فبراير 2013

ارى كل شيء الا الحاضر

اشعر بالحنين الى الماضي.. اراه بتصوير متوسط الدقة باستخدام الوان ريترو مائلة، ارى فيها دراجة خضراء لا اجيد ركوبها كنت قد جرحت كاحلي اثر محاولة ان اجعلها ذات جدوى، و حديقة كبيرة كانت غابتنا نستكشف فيها العالم و نجرب الم الشوك في النباتات العنيفة.. ارى الشوكولاتة و علكة الدخان التي لم تكن تدري بوجودها.. ارى الخنفوسة التي تعلمتُ انذاك ان احترمها.. اراك هناك بمحاذاة اداة التصوير، و لكنك لست جزءاً مما اراه في تلك الصورة.. انت من ورائها، لا منها.


ارى كل شيء الا الحاضر.
انت لست جزءاً من الحاضر.. و لكنني لا اراك. 

الجمعة، 8 فبراير 2013

الجمعة



لن تحكي عن مأساوية مشاعرها، ولا عن غرابتها مقابل اي مشاعر اخرى كانت قد خاضتها،
فقط ستحكي عن التربة التي كانت ميلاذه، عن المنزل الجديد الذي حتما لوحده فيه يشعر بالوحشة..
عن احساسها بالمسؤولية الذي جعل من حياتها مليئة بلحظات الوحدة..
و عن كونها تطأ هذه التربة بخوف و كانها ترجسها بحذائها،
سنتحدث فقط عن ملابس الحداد التي ظنوا انها كانت قد خلعتها،
و عن العادات التي و لو انقضى وقتها لا تزال ترافقها،
و كيف جعلتها من أحلك أسرارها و أعمقها.
تلك الأفكار و رغم المحاولات اليائسة لدفنها، الا و انها تطفو دون استئذان الى اعلى ايام الجمعة.

الأحد، 3 فبراير 2013

أنا انثى قوية

و ان كنتُ بنعومة بشرتي التي تلتمس الجرح فتداويه دون جهد..
و بظرافة وجنتيّ التي تحمر خجلاً اثناء حديث غيري عمّا يطرب اذنيّ..
و ان كانت دموعي في بعض الأحيان تبلل وجهي و تسبق ألفاظي..
و ان كُنت اقطر رقة يقال ان ليس لها حل سوى احتضانها بين الدفء و الحرص على عدم تعرضها لأكثر مما تحتمل من اشعة الشمس..
و ان كنتُ في لحظات غضبي أشرس من اللبوة التي تغرز اظافرها داخل احشاء اعدائها!
و ان كنت في الأيام التي انزلق فيها للحضيض لا استجيب للمنطق عندما أتخيل أن هناك مؤامرة كونية تحيك ضدي!

الا و انني ادرك نقاط قوتي! ادرك اين هي مكامن النفوذ بعقلي!
اعرف انني قادرة على قيادة حياتي بفاعلية و قدرة هائلة.
أستطيع أن أفعل ما أحلم به و ابلغ تلك المستويات التي اراها كالفراشة امامي ترفرف بجناحيها الملونين ببسهولة بالغة.

نعم، انا انثى.
نعم، انا امتلك صفات انثوية.
نعم، تنتابني لحظات من الضعف و أخرى من اليأس.. فهذا شيم الانسان و لا صفة يختص بها جنسي فقط.

أنا انثى، اشعر بالتعب عندما امضي يوماً كاملاً في العمل.. و اشعر بالبهجة عندما تقال لي كلمة طيبة.. اشعر بالجمال عندما اضع احمر الشفاه و انظر الى نفسي في المرآة.. و اشعر بالغضب عندما لا يستمع الغير الى ما لدي لأقوله.

أنا انثى قوية، و أدرك هذا جيداً. 
(او اقله، هذا ما اقنع نفسي به على الدوام).

الجمعة، 1 فبراير 2013

التفاحة المسمومة

بحثت عن تفاحة في زبدية الفواكه، ولكنني لم اجد التفاحة المنشودة، "مش في الموسم" قيل لي، فأكتفيت بقطعة فراولة وجدتها في الثلاجة.

و من ثم عدت الى مشاهدة نسخة حديثة معدلة من قصة بياض الثلج، ترافقها بقية اميرات و بطلات القصص الخرافية في طلة عصرية تاركات فساتينهم المتألقة -و في احيان اخرى، الممزقة و المرقعة- في عالمهم المنسي.


اميرة ضائعة تسعى ملكة للقضاء عليها بجعلها تختنق على تفاحة مسمومة تحتوي على سر شرور العالم تحت قشرتها الصحية.. ربما كان سيكون في قصة اخرى، و لكن ليس في قصتي انا.


التفاحة المسمومة التي اشتهيتها منذ قليل لم تكن من نصيبي.. لم تكن مقدرة رغم ان اشتهائها جاء على عجل، دون تدبير، و من ثم بعد متابعة القصة تداركتُ انني كنت لقضيت على نفسي بتوقي الى شيء بهذه البساطة في عالم لم يعد يؤمن بأناقة البساطة و سلطتها على اوهامنا و تخيلاتنا المعقدة.


..التفاحة ليست لي، لأنني لستُ بياض الثلج و حذاء سنديريلا لن يناسبني لأنني لستُ سنديريلا و لن امضي مئة سنة في النوم رغم ان الفكرة مغرية، لأنني لستُ الأميرة النائمة.


انا هي انا، بكل ما لي من قيمة واقعية.. و بتجردي من صفات قد تنسج مني شخصية اسطورية فيما بعد. لن انتظر قصة خرافية و لن اعيش واحدة لكوني متأكدة من انه لا وجود لها سوى داخل تلك النقطة بالجوزة الموجودة داخل رأسي، المسماة بالمخيلة.


..كل هذا الا انني اعلم بوجود نهاية سعيدة لكل شيء. انا بسيطة و ساذجة بهذا التفكير، و لكنني عند النظر من زاوية اخرى اجد ضوء من التفاؤل و التطلع و المثالية. 

ليس بالضرورة ان تكون حياتي عبارة عن حكاية خرافية قديمة توارثتها الأجيال ليكون هناك مكان لنهاية سعيدة.

اذكركم بنهاية بياض الثلج. 

اختنقت على وصفة الملكة للحقد و من ثم وُضعت في صندوق زجاجي لتكون عبرة لمن يغني للعصافير و يداعب الغزلان و الأرانب الصغيرة.
و لكنها عادت في النهاية الى قصرها و وضعت التاج الملكي على رأسها - هذا دون التطرق الى فحوى القصة الأصلية حتى لا تعارض مسار قصتي -، تسنى لها ان تقف امام المرآة و تشاهد انعكاسها دون ان تردد سؤالاً لتتأكد من شيء أصبحت واثقة منه الان، و ان تقطف تفاحاتها الخاصة دون الحاجة الى الرجوع الى ضحية تلقي عليها تجاربها في مجال الطعام.
نهايتها تبدو سعيدة.
بياض الثلج سعيدة.
و انا ايضاً بإمكاني ان اتحصل على نهايتي السعيدة، ولا داعي لتدخل التفاح بقصتي.. فقط علي ان ابدأ لأتحصل على نهايتي. 
البداية اولاً، فالوسط فالنهاية.

الأربعاء، 30 يناير 2013

قصة قصيرة



كانت السماء في حالة ذعر تلك الأمسية، تماماً مثل حالتها هي عندما كانت تدور بالسيارة لاهثة وراء جواب لم تكن تعي انها لن تجده بين قطرات الأمطار المتداعية من السماء التي كانت بدورها تبعث روحاً في الرياح لتبحث لها عن جواب ينير لها طريقها و يخفف من حدة غضبها. 

كلاهما كان متوتر، و كلاهما وجد في الدوران حول حلقات فارغة الملجأ الذي لم يجدوه في البقاء في مكان واحد.

احدثكم عن عاصفة كادت ان تخلع شجرة بمكانٍ كانت قد مرت عليه بسيارتها التي بدأت تجزع لكونها الضحية التي تعتبرها هي بدورها القربان الذي ستقدمه للبركان الذي يفيض بداخلها.. لا تمانع ان تكون سيارتها و أمنها المعرض للخطر بين هيجان العاصفة الثمن الذي ستدفعه مقابل جواب يوقف التآكل الذي يحدث بداخلها. 
في الأثناء، لون السماء بدأ بالتغير.. في الحقيقة اللون لم يتوقف مطلقاً عن التغيير منذ اللحظة التي غادرت باب بيتها متوجهة للمجهول. لم تلحظ اللوحة الفنية التي ترتسم امامها بين الضباب الذي أحدثته الدموع لتكون سداً يمنع عينيها من رؤية الكآبة التي تماثل مزاجها تحوّل مشهد يبعث الراحة و السلام في روح من يتأمله.
تدريجياً، ذلك الأفق الأزرق اللون تحول من مقيم هادئ الى عابر سبيل تظهر على عينيه نظرة جنونية.. اذ ان ما حدث بينما كان المقيم يحزم امتعته بحزن و تمهل، قام العابر بدفعه و الاستحواذ على موقعه دون اشعار غيره بقراره هذا، لذا لم يطرأ على بالها هي ان تحمل مظلة توقعاً للتغير المفاجئ الذي حدث.. رغم انها ما كانت لتبالي حتى و لو رأت خبر هبوب العاصفة المدمرة اثناء موجتها هي، الأخرى، الغاضبة.. تلك التي دفعتها للخروج من بين جدرانها الأربعة في وقت غير متوقع.
العابر كان رمادي اللون، مثل المعطف الثقيل الذي ارتدته على عجل دون اهتمام بتفاصيل كانت لتوليها اهتمام اكبر في ظروف اخرى.
كان على بالها ان كل الذي تمر به لا يجدر به ان يوليها اهتماماً.. فهي لم تكن في الحجم الذي يعطيها الحق بأن تتسلط عليها مصادر المشاكل بأكملها، هي كانت مجرد نكرة ذات قدرة هائلة على جذب المسائل التي لا تهتم بها و لا تجيد منافستها بابتسامتها التي بدأت بالتلاشي.
خبطت على رأسها بيدها و فكرت في تفاهتها مقابل كل الذي يعترض طريقها.. كيف يعقل ان تقف بحذاء العراقيل التي تلازمها و ترفض ان تتركها دون ان تشعر بالخوف مقابلها.. تشعر بعبث و صغر لا يتوقف عن التناهي.
الضباب أصبح اكثر مما تحتمل، مشكلة اكبر حتى من تلك التي اخرجتها من بيتها في وقت كان من المتوقع ان تلازمه لتفتح الباب لشأن اكبر، لتشعر بالتالي بعبث اكبر مقابل تلك الزيارة، و عجز لا يمكن له ان يتلاشى فور ان تطرق بالها ذكريات الطفولة التي تشهد لها بقدرتها على الوقوف على رجليها بعد اشهر طويلة من النوم على البطن و من ثم الزحف نحو زوايا الغرف.
الفرامل بدت و كأنها متواطئة مع دموعها التي حجبت عنها الرؤية.. و هكذا تحقق هدفها و اكتمل دورها في الحياة لحظة ملامسة طلاء الجزء الأمامي للسيارة بلحاف الشجرة.. حدث الارتطام. 
جزعها انتهى، و غضبها مضى معها.. و كما لم يكن، عابر السبيل حزم امتعته و اعتذر خلسة من المقيم الدائم قبل ان يختفي و معه اي اثر لوجوده في هذه المدينة، تماماً مثل اختفائها هي.
العاصفة انتهت. و اللون الأزرق عاد ليستحوذ على موقعه اليومي قبل المغرب.. و هي تركت جثتها بين ركام سيارتها التي ندمت على بريقها و بكت حالها قبل ان يتوقف محركها لحظة توقف قلب الفقيدة عن الخفقان.

..شاءت الظروف ان تعطيها حقها الذي رفضته منذ البدء من الأهمية، وضعتها تحت مهب القيل و القال و انوف الأخرين ليقيموا وضعها.. و الصحف و القنوات التي تناولت خبر مرورها من هذه الدنيا ربطتها بالعاصفة و ادانتها بمسؤولية سلب الحياة من امرأة لم تكن تملك ما هو اثمن من ابتسامتها.. دون ان تعي في الحقيقة ان العاصفة كانت و للمفارقة، نتيجة لاختفاء ابتسامتها تلك، لا العكس.

الثلاثاء، 22 يناير 2013

تردد


أنا على باب، اقف خلفه و أخشى ان اطرق عليه قبل أن أكون مستعدة، فإذا بالباب يطرق على مسامعي !.. و أنا ملزمة بفتحه، فقد تشرب الخشب رائحة عطري و لهاثي المضطرب و انا في منتصف الطريق إليه.. و الان تشبع بملامح دهشتي و احتفظ بصورة لتقاسيم وجهي المتفاجئ. ولذا لا مجال للفرار بحجة كاذبة انني لم اكن بالقرب من الباب، بأنني لم اسمع الدق الذي صدر عنه، فقد كان اعلى من اي صوت سمعته من قبل.. اعلى لأنه لم يكن مواتياً لأن تستقبله اذنين غير اذنيّ، و لا كان قابلاً لأن تقابله ذبذبات سواء من مكبرات الصوت الخاصة بيّ.. كان نغمي الخاص، دون شك.
كان صوتاً، لا ضجيج، ولذا ادركت انه كان يحادث عقلي، لا حواسي.

كان "التخبيط" المنتظم على الباب ينتظر ردة فعلي، و يتسابق دون ادنى تغيير في وتيرته على إخماد اي ثقة في ذاتي كنت قد اكتسبتها لكي اطرق على الباب قبل ان يباغتني ليؤكد ليّ هاجسي الذي أخبرني بأنني لستُ مستعدة.. 

"هذا هو الحل" اخبر نفسي، فإذا بيداي تبحثان عن قلم، فتكتبان بدون ان تبارحني العصبية و التوتر على ورقة ناصعة البياض -كانت كما يبدو بالقرب من الباب، كأن الباب كان قد تنبأ، بل ربما تعوّد من قبل الغير على ما كنتُ سأقدم على فعله-، 
بحروفٍ مبعثرة، تظهر حالة الصراع التي انعكست على الورقة، كتبت:
"سأعود في الغد.. او قد لا أعود". امررها تحت الباب، و التفت و قد فكرت ان في بالي لا يوجد ندم، لأنني لم افتح الباب بعد فأواجه ما لم يكن في الحسبان، كما أنني لم اتركه نهائياً دون امل في العودة اليه.. 

و لازلت الى الان بين إحتمال العودة، او الاعودة. 
الفرق بين الخيارين، انني اميل الى الأول لأنني امتلك من الصفات ما يشجعني على فتحه، أبرزها روح المغامرة و الفضول، و "الطموح" يلتقي في الكفة إياها معهم، بينما صفات اخرى أبرزها الخوف و ربما الجبن، بل حتى الحكمة يمنعانني من العودة.

..سأعود، لا سأهرب.
بل سأستمر في التأجيل.. و كل شيء سيسير على ما يرام. من قال انه عليّ ان اتخذ قراراً الان على اي حال؟ الباب؟ الصوت السحري الذي يحدثني دون سواي؟ ..لن أفتح الباب، و لن أطلب منه ان يصمت. 

"سأعود في الغد.. او قد لا اعود".

الاثنين، 21 يناير 2013

قهوة الصباح


قهوة الصباح التي بالكاد تملئ ربع الفنجان تغريني بالبوح رغم انه لا يوجد هناك ما أبوح به. ولذا ستتجلى احاديثي في الثرثرة و ما يصاحبها من تكهنات طازجة لتوها قد خطرت على البال.. 
فبدلا من اداء واجبها السامي في فتح عيني شخصا كان قد سهر الليل بحجة انه لا يملك في الغد مخططات يستيقظ باكرا من اجلها.. هي تفتح فمي للتفوه بتوقعات هوجاء مثل الرياح العاصفة التي كانت لتخلع الباب لولا استيحائها مني و من بطلة رواية لملمت أطراف ردائها الطرابلسي و توجهت نحو المجهول عقب انتهائي على عجل من تفرس تفاصيل قصتها دون صبر. 
قهوة الصباح الذي انقضى و لن يعود قبل تعقيدات يوم كامل، سوداء دون سكر.
- كُتِبت فيما كان يسمى الصباح، قبل ساعات من الان، و لكن التوتر المصاحب للنشاط المحتوم سيكون عذري لليوم، العذر الذي لطالما استخدمته فيما يشابه هذه الايام.

السبت، 19 يناير 2013

الجلوس الى الوهم



الجلوس الى الوهم و الاستماعالى شكواه و الانتظار ريثما ينتهي من الاعيبه المتقنة في عملية مستترة للانقلابعلى نفسه و من ثم على من يستمع اليه بتعليقاته اللاذعة و كلماته المنمقة التي رغم توشحهابغطاء يبدو لوهلة بعيد كل البعد عن العفوية، الواقع يبوح بأنها لم تكن مختارةبعناية.. كانت تصفح عن نية مغايرة لما يصدره لسانه و تبدي الرغبة في رفض كل ما اتتبه تعبيرات وجهه الجدية و القاسية في ملامحه اثناء تصريحاته تلك الملونة ظاهرياًبما يميز الملاحم الشاعرية و القصص ذات الطابع الدراماتيكي.
الجلوس الى الوهم قديفدنا في بعض الأحيان، وذلك عندما ندرك فظاعة اثار ما قد يصل اليه التفكير من هذاالنوع فينا و في معنوياتنا بعد ذلك.
نعم.. اعتقد ان الجلوسالى الوهم ولو ظهر كأنه مضيعة للوقت في البدء، الا انه فعل مثمر اذا كان من اجلكشف خططه في ابعادنا عن الواقع و جرّنا اليه في صورته الفضلى.. صورته تلك التي ماان تدخلنا عالمها حتى تختفي و تظهر من خلفها الصورة الحقيقية للوهم، التي ما كانتفي الحقيقة الا انعكاس يوازي الواقع بشيء من الخدعة البصرية.. فيلازم لساننا تلكاللحظة باندهاش المثل الذي يقول، "يا مزين من برا، شن حالك من جوا؟ّ!"
اذن الجلوس الى الوهميكون كمن يجالس عدوه الغافل و يستخرج منه مكيدة في زلة لسان.. و يكون ذا فائدة اذالم يتعدى زمنياً و تقديرياً عن حده المعقول. 

الثلاثاء، 15 يناير 2013

مصلحة مشتركة

لست متأكدة ان كان السبب هو رائحة عطري الجديد او رغبتها في الأكل لعدم وجود أختي التي تطعمها في البيت حاليا.. ( الامر واضح، و لكنني ساعتمد على الفرضية الأولى المتعلقة بعطري الجديد لأنه يجعلني اشعر بالتميز و يبعد عنها صفة 'التقرب عند وجود مصلحة' رغم انها في فطرتها و تاريخ وجودها)..

ايا كان، القطة تطلب و تعطي حنان لم تكن متعودة عليه من قبلي. و هذا يجعلني اشعر بالحب و التميز.. رغم انني وحدي معها. ربما اشعر بالتميز لانها اختارت ان تظهر حاجتها لي بدلا من محادثتها للجدران او اعتقادها ان مذيع قناة الجزيرة يستطيع سماعها تموء.

عالعموم، مصالحنا مشتركة، انا و هي.. بالنسبة للقطوسة، هي اما جائعة او محتاجة ليد دون مخالب لفك عقدة من عقد فروها الرمادي الطويل.. اما بالنسبة الي، فانا محتاجة اليها لكي لا اشعر بالوحدة.

'محتاجين لبعض.. مش استغلال لو ان المصالح مشتركة.'
هكذا اقنع نفسي..
'هي لا تستغلني، انا في حاجة اليها كذلك'

الأحد، 13 يناير 2013

شخصية واقعية

هي شخصية واقعية. أقدامها على الارض، و تعرف ماذا تريد بكل صرامة دون لف و دوران.. و لكنها تفتقر لتلك الشاعرية التي اعشقها.
و أنا مقتنعة انني ولدت عكسها. فأنا احب الخيال.. و أحلامي متطرفة، ذات طابع عشوائي. اجد تلك اللفتات البسيطة التي يقوم بها الغرباء ظريفة، و احب اللحظات المميزة بنفس القدر الذي احب فيه اللحظات اليومية الروتينية، فأرى فيها جمال بالغ ينعكس كالمرايا من خلال التغيرات العابرة التي تمر دون ملاحظة من قبل الغير.
هي تضع قدماها على الارض، بقوة و اندفاع كما يضعها الذي يشترك في مسابقة عدو.. بينما اغرقها أنا في الوحل تارةً و ارفعها عاليا في السماء؛ طائرة، هائمة في جمال هذا الكون تارةً اخرى.
احبها، اعشقها.. تغضبني، اغضبها.. فنتصالح دون رسميات. هي لن تقبل اعتذاري، و لكنها، و بكل بساطة، تعاملني و كأن شيئاً لم يكن.. تعاتبني، اعاتبها في عقلي.. و عندما يأتي وقت الجد، هي لن تعترف بالاعتذار، و لكنها و ان لم أبادر بالاعتذار ستمحو اي اثر لما كان بيننا، او هذا ما اعتقده و أمله على اي حال، فهي لن تتهاون في اصدار سلسلة من اللقطات الخاطفة في المرات القادمة التي أغضبها فيه. ستنساه لأن قلبها لا يسمح لها بحمل الحقد على فلذة كبدها، ولا ضميرها.
هي واقعية، أقدامها ثابتة على الارض، و أنا شاعرية، غير ان اقدامي خذلتاني..
احبها، و أحبتني، إذ انني في النهاية جزء منها، و هي جزء مني.