الاثنين، 31 يوليو، 2017

خيانة مبررة

أول علامة ظهرت لي و أنا نائم، رأيتها في المنام تبتسم للجزار و أنا أقف بجانبها. كنا نقف سوياً أمام ثلاجة اللحوم، ابتسمت له و ابتسم لها و بدت لحظة الإبتسام طويلة، امتدت بقية الحلم. لم تهتم بوجودي حتى. تجاهلتني، أما أنا فـ تجاهلت العلامة لأنني كنت أعمى، غارق في الحزن، و أحمق. جاءني الحلم بعد بضعة أسابيع على رحيلها.

لم أبصر الا عندما وجدت سوار لم أره من قبل بين حاجياتها في ليلة باردة من الشهر الثاني على رحيلها. لحظتها رفعني مجرى الماء شيئاً فشيئاً حتى أصبحت أطفو. كان سوار ذهبي اللون و بسيط، ليس به الا زخرفة صغيرة تزيّن نصفه. لم أشتري لها هذا السوار. كانت تحب الحلي، و خاصة البسيطة منها التي تستطيع ارتداءها بلا مناسبة. ذلك اليوم الذي وجدتها فيه كانت ترتدي عينيها منسدلة كالستار على وجهها، و خاتم به فراشة معدنية. اشتريت لها خاتم الفراشة، و لكنني لم اشتري لها السوار.

كنت بين حاجياتها لأن الليالي بدت تصبح موحشة... و أردت أن أكون قريباً منها. رائحتها لا تزال معلقة بين أشياءها، كأنها قد خرجت من البيت منذ لحظات. كانت حلم يؤنسني و يعفيني دخول المواقع الممنوعة، و احيانا ً كان شبحها يكفيني و لكنني لم أحتمل تلك الليلة. لم أكن استطيع تخيّلها تصدني بصداع كما كانت تفعل بين حين و آخر. كل ما أردته هو أن أكون بالقرب منها.

في الليالي التي رفضتني فيها، لم أكن أردد عليها بأن الملائكة سوف تمضي الليلة و هي تدعو عليها لأنني اعتبرتها ملاك مثلهم. لم أكن أعلم بأن الشياطين كانت تضحك علي.

ليلة السوار كانت الليلة التي أردت أن أخذها عنوة سواء وافقت ام لا... سواء كانت موجودة او لا.

بعد ذلك، لم استطع العودة للنوم. بقيت أرتب أفكاري حتى علمت ماذا فعلت بالضبط: متى، كيف، و مع من.  

لا بد أنها أخفت عني هاتف، او كذبت بشأن مشاويرها مع أختها، او ما شابه. لم تكن تجيد استخدام التكنولوجيا، و بالكاد استطاعت اجراء مكالمة و لكن يبدو أن هذا لم يمنعها! لا بد أنها كانت على علاقة مع أحدهم.
لست مجنون. لم أتخيل كل هذا بسبب حلم و سوار. الأمر أكبر من ذلك. لقد أختفت. رحلت و تركتني. لا بد أنها فعلت هذا لتهرب بعيداً و تعيش أسرارها بحرية. لتنعدم أسرارها. هكذا لن تضطر ان تخفي عني هاتف او تكذب بشأن مشاويرها. لن تضطر أن تتظاهر بحبي.

كان عليّ ان اشتبه في الأمر مبكراً.

كان علي أن أعلم عندما وجدتها ذلك اليوم. كانت ساكنة، لا تتحرك، عينيها مغلقتين، تبدو و كأنها نائمة. بشرتها القمحية خالية من العيوب، على طرف الفراش في وضعية الجنين يد تحت رأسها و أخرى تحت بطنها، مرتدية خاتم الفراشة. كانت تحب النوم و كانت تأخذ قيلولات كثيرة أثناء النهار. و كنت أتركها لأنني أتخيلها تحمل جنين في أحشائها ينام معها. جنيني أنا. لا بد أن تكون قد استغلت ذلك لتتسلل الى الخارج و تفعل ما تريد أن تفعل.

أخبرتنا الطبيبة بعد فوات الأوان بأنها كانت حامل. لم أصدقها.

في عشية الرؤية الشرعية، خرجت في أبهى صورة، و ابتسمت لي ذات الابتسامة التي رأيتها في منامي تشاركها مع الجزار، و لكنني ظننتها ابتسامة مميزة لم تلاقي بها احد من قبلي. فترة خطوبتنا لم تمتد طويلاً اذ أنني كنت جاهز للزواج، خلالها أخبرتني أنها لم تدخل علاقة من قبل و لكن الكثيرون حاولوا توريطها في علاقات حب. أخبرتني عن زميلها الذي بعث لها رسائل حب لأسبوعين متواصلين قبل أن يستسلم. أخبرتني عن الرجل المتزوج الذي كان يمشي وراءها في الشارع و يتلو لها رقمه كلما رآها. ربما يكون زميلها قد عاد الى بعث رسائل الحب لها بعد زواجنا حتى أرسلت له رداً. لعلّ الرجل المتزوج وجد شارعنا و بدأ يمشي وراءها و يقرأ لها رقمه حتى حفظته.

ربما كان الحلم رؤية مسبقة، او ذكرى طمستها. كان الجزّار من الحلم هو ذات الجزّار الذي نتردد عليه. في رمضاننا الأول معاً اشترينا منه ما يكفينا اسبوعين، و منه نشتري أساس الأكلة التي تعدّها كل جمعة لأخذها معنا الى بيت أهلي. كنّا نذهب للسوق معاً. كنت أحب أن نذهب معاً لأنني أحب أن امضي الوقت معها، و هي كانت تشعر بالضجر بين أربعة جدران. كنا لا نزال نتعرف على بعض.

كان الجزّار خليلها. كيف لنظراتهم ان تغيب عني؟ لا بد أنهم تبادلوها كلما دخلنا معاً بطريقة جعلت منها شفرة يفهمون من خلالها ميعادهم القادم. كانوا يخططون تحت أنفي و لم ألحظ! كنت أحمق، و كلفني ذلك زوجتي و شرفي و رجولتي.

أخر مرة ذهبنا فيها للجزار معاً، اشترينا أفخاذ دجاج. كانت ترتدي عباءة بها فصوص في مكان الأزرار، و كانت تحدثني عن أول مرة هاجمتها هجمة ربو و هي في المدرسة، و ظنّ زملائها أنها تبالغ دهشتها عقب حصة الرياضة. كان تعليقي عن القصة مازح اذ سألتها ان كانت تبالغ بالفعل، و من ثم أشترينا أفخاذ الدجاج و خرجنا. لا بدّ أنهم تبادلوا النظرات و أنا أبحث عن النقود في جيبي، او عندما تفحصت الدجاج. نعم، لحظة تفحصي للدجاج كانت اللحظة التي اتفقوا فيها على الهرب معاً.

أحياناً كانت تتصل بي لتسألني عن ما أريد تناوله وقت الغذاء. معكرونة؟ لا، ليس ثانية. أقترح ما تمليه عليه بطني و من ثم تخبرني ما تحتاجه من السوق. في ذلك اليوم الذي وجدتها فيه، اتصلت منتصف النهار. معكرونة؟ لا، ليس ثانية. أريد فتات. أخبرتني ما تحتاج اليه. لم تطلب مني الذهاب الى الجزار. لا بد أنها كانت معه، تضحك علي و على غبائي.

كنّا نتحدث كثيراً، عن أحوالنا اليومية، عن توقعاتنا من الحياة، عن أسرارنا الدفينة و مشاعرنا تجاه البعض و ما حولنا. كنّا نخطط لمستقبلنا معاً، عن عدد أطفالنا. كنّا نريد أن ننجب ثلاثة: ولدين و بنت. لم نخبر غيرنا عن مخططاتنا هذه بالطبع، حتى عندما يسألوننا دون أن يسألوننا لو أنه يوجد طفل في الطريق كنّا نتمتم ان شاءالله لنتفادى بقية أسئلتهم غير المنطوقة. كان الأمر صعب عليها بالأخص. كانت تغلق على نفسها باب الحمام و تبكي عندما تصبح الأسئلة منطوقة، خالية من اشارات الإستفهام، على لسان أمي بعض أيام الجمعة. لم نكن نخبرهم في المرات التي أعتقدنا أن الطريق يرسم نفسه، محفف بالحليب و الحفاضات لأن الطريق قطع علينا مبكراً كل مرة. أخر مرة انتهت بحادث أودى بحياتها.

لا أدخل بين أشياءها كثيراً، حتى أنني لازلت لا أعلم بالضبط ما تملك. منذ أن رحلت، بقت أشياءها في مكانها كما هي. حاولوا الدخول و تنظيفها و لكنني لم أتركهم. بعد العزاء أرادوني أن أعود معهم و لكنني أبيت، و بقيت في شقتنا معتقداً أن شبحها سيكفيني. كنت مخطئاً.

عندما أخبرت أمي نيتي الزواج، سألتني أمي عن المواصفات التي أبحث عنها. طويلة؟ بيضاء؟ مليانة؟ صغيرة؟ لم أخبرها أنني أريدها قصيرة، تجيد الطبخ، و واسعة العينين... و مع هذا، كنت محظوظ بطولها و سعة عينيها التي رحبت بي كل يوم كأنها ترحب بشخص عرفته طيلة حياتها. و لكنني كنت مخطئ. كان علي أن أتمناها وفية.... او أقله أقل كمالاً مما كانت عليه، كان علي أن أتمنى أن يكون فيها كل ما لا يتمناه المرء في عروسه. كان فراقها ليكون أهون.

في اليوم الذي وجدته فيها و تحتها بركة حمراء، مرتدية خاتم الفراشة، خانتني ذاكرتي. هلعت و لم استطع تذكر أين وضعت مفتاح سيارتي، أين درّست السيارة، أو أنني أملك سيارة حتى. لم أتذكر رقم الإسعاف و لوهلة نسيت ضرورة اسعافها. حاولت إيقاظها و لكنها لم تتحرك، و أخبرت نفسي أنها ثقيلة النوم. أخبرت نفسي أنها طبخت فتات غارق في "مرقة" حمراء لطخت بسببها ملابسها. بعد ذلك نسيت ما حدث، لتخونني ذاكرتي اليوم و لبقية حياتي.

جاء أخي و حملها معي. نسيت الكثير بشأن اليوم الذي وجدته فيها و لكنني أتذكر بوضوح خاتم الفراشة. في سيارة أخي في طريقنا الى المشفى، كانت ساكنة و ممدة على ركبتي. نفرت منها. لم أفهم شعوري ذاك يومها، و لكنني لم أناقش نفسي. نزعت عنها خاتم الفراشة و دفعتها قليلاً لأخفف ثقلها. لم أردها فوقي بعد الآن. هذا الجسد الذي عرفته مثل باطن يدي لم يعد هو نفسه.

أخبرتنا الطبيبة بأنها تحمل جنين في أحشائها، بأن شيء ما حدث لكليهما أثناء نومها جعلها تجهضه و تموت نزفاً. لم أصدقها. كان بداخلها ابن الشيطان الذي سرقها مني و جعل منها جثة هامدة. ابن الجزّار الذي ذبحها بعيداً عن اتجاه القبلة. ابن الزنا الذي اشترت له السوار دون أن تخبرني. 

لا أريد أن اتساءل أين هم الآن و لكن ارادتي لا تنفعني، لتتسلل التوجسات شيئاً فشيئاً حتى أجزم أنهم في مكان بعيد عن هنا. حديقة الملاهي ربما او فيلا خمسة طوابق او سوق السعي. يلاعب الجزار ابني و يشير اليه أن يختار الخروف الأكبر حجماً، فيترك يدها و يقترب من السياج. ينظر اليها للحصول على موافقتها فترحب به بعينيها الواسعتين و تهز رأسها. تكتمل الصورة بإلتفاتها الى الجزار و ابتسامتها التي لاقتني بها اول و اخر مرة، الابتسامة التي رأيتها في المنام. 

المخادعة التي كانت يوماً ما زوجتي هربت مع الجزار و ابني و تركتني. 

هذه المرة سوف أقوم بالأمر على الوجه الصحيح. سوف أخبر أمي كيف أريدها و لن أترك شيء للحظ... هذه لن تتركني.

الثلاثاء، 11 يوليو، 2017

806 خبرة عمل

كل مكتب محاماة يجب ان يحتوي على أقلام، أجهزة كمبيوتر، أدوات لشحذ اللسان، أوراق، كراسي، علكة، لبوة او اثنتين و سكرتيرة تتبل لهن اللحم، قهوة، حب عذري بين زميلين، دبابيس، مجلدات، طقس مظلم و مبلل، نكت غير رسمية، ربطة عنق اضافية، سطل قمامة، مدير يهابه الجميع، مدير يمزح مع الجميع، غرفة اجتماعات، أدوات ختم، طابعات، متدربة تبحث عن النافذة.

و ليكون المكتب ناجح يجب أن يخلو من رنين الهواتف الشخصية، سندوتشات التن، الأطفال، العلكة، النوافذ، آلات التصوير، الكراسي المريحة، العلاقات العاطفية، المتدربات اللواتي يبحثن عن النافذة. 

*

اسمه هارفي، مثل شخصية مسلسل سوتس Suits، بتهجئة مختلفة. يرتدي عمامة سيخية أرجوانية و بدلة عمل باهتة اللون. يفتح الملف و من ثم ينظر الى أعلى ليفتح فمه و هو على وشك إلقاء نكتة مكررة و لكنه يغيّر رأيه. لا توجد نوافذ و لا يريد للكلمات أن تعلق بين الجدران فترتد عليه دون ان تلقى اهتمام من أحد من حوله.

في المكتب المقابل لمكتبه تجلس المسؤولة عن تدقيق الحسابات. طويلة و رشيقة العنق، تنظر بتمعن و إعتياد الى شاشة الكمبيوتر بطريقة تجعلك تتساءل كيف لم يطرأ على عظام عنقها شيء طيلة هذه السنوات التي تظهر على معالمها. تنقر على الطاولة بإصبعها و كأنها تستخدم آلة حاسبة، غير أنها هي نفسها الحاسبة. في أقصى يمينها، في ركن غارق بين الأوراق المتبعثرة، ينادي المرقط على هارفي، طالباً منه أن يقدم له خدمة، اتصل لي بالعميلة أرجوك! لقد ساعدتك في ذلك الأمر لو تتذكر، و يغمز له. يجادله هارفي و يذكره بأنه لم يزد الا الطين بلة عندما حاول مساعدته في  ذكر حاجة المكتب لألة قهوة جديدة للمدير، غير أنها أدت الى الخصم من رواتب الدور الثاني كلهم تحت حجة انهم أفسدوا الآلة الأولى.. و لكنه يستسلم سريعاً تحت لسان الآخر المرقط. يبحث هارفي عن الرقم في الملف الإلكتروني و يقوم بالخدمة. يتحصل من العميلة على المعلومات الضرورية و يرسلها في ملف الكتروني للآخر و من ثم يصلح عمامته بحركة تلقائية قبل أن ينهض ليصب لنفسه كوب آخر من القهوة.

على الجانب الآخر من الغرفة، في ركن لا يصله ضوء النوافذ تجلس المتدربة الحالمة. كل مكتب محاماة يجب أن يحتوي على نافذة لتدخل الضوء و الهواء النظيف لغرفة ممتلئة أشخاص يعملون سبعة ساعات متواصلة لا تفصل بينها الا استراحة الغذاء. و كل مكتب محاماة ناجح يجب أن يخلو من النوافذ لكي لا تصرف إنتباه الحالمون الذين يفضلون النظر الى الخارج و المجهول بدل الداخل الروتيني. هذا المكتب كان من النوع الذي يخشى على راحة الأشخاص بشكل مفرط.
المكتب محاط بنوافذ متتالية على كل جانب ممكن من المكتب. ضوء النهار يدخل و يوقظ الذين وضعتهم الملفات في غيبوبة من الركود الفكري، و لو أن الضوء أقرب الى اللون الرمادي نتيجة للطقس المظلم و المبلل؛ و الهواء النظيف يمر بين النوافذ لينتج حركة تلغي التنهدات التي تطغى على المكتب.
تبحث المتدربة عن النافذة الأجمل، و لكن كل النوافذ تطل على أجزاء قبيحة من الشارع. أحدها يطل على محل المواد الغذائية العملاق، و نافذة أخرى تطل على مكب قمامة فارغ، و أخرى على موقف سيارات. كل هذا لا يهم و لا يلغي فكرة أن تكون النافذة مكان جميل للنظر نحوه، فما يهم هو سماء صافية و لكنها لا تجدها، و بدل من ذلك يعترض هارفي النافذة و يقدم لها ملف جديد و يطلب منها ان تنظمه.

يعود هارفي لإرتشاف قهوته بروية خوفاً من سكبها خطأ على بدلته ثانيةً كما فعل الأسبوع الماضي و الذي قبله و قبله، خاصة و هو يفكر أنه لا يملك بدلة نظيفة أخرى و سيضطر أن يأتي ببدلة اليوم غداً مع تغيير طفيف في القميص و ربطة العنق، أما عمامته فقد يختار أن يغيرها الى اللون البرتقالي. يتذكر هارفي نكتة قالها الأسبوع الماضي عندما كان ربع المكتب تقريباً متغيّب لسبب او لأخر، و قرر أن يلقيها لعله يتلقى ضحكات هذه المرة. يفتح فمه و لا يغير رأيه هذه المرة، و لكن النتيجة لم تتغير كذلك... يبدو أنها لم تكن بسبب تغيّب المكتب إذاً. صاحبة الحاجب الرقيق تضحك على معظم نكته و لكنها لم تفعل ذلك هذه المرة. ما لا يعرفه هارفي هو أن حسها الفكاهي لم يتغير، و سبب غياب ضحكتها هذه المرة كانت لأنها لم تكن منتبهة و هي تحرق الجزء الخلفي من رأس المرقط بنظراتها. يوجد شيء يجري بينها و بين المرقط و الجميع يعلم و لا يعلم. هارفي يعلم لأنه يرى غزلهم المتواصل مع بعضهم و لكنه لا يعلم لأنه لا يهتم لأنه ليس المرقط و صاحبة الحاجب الرقيق ليست النادلة في المقهى الذي يقابل المكتب.

اسمه هارفي، مثل شخصية مسلسل سوتس Suits بتهجئة مختلفة. يصلح هارفي عمامته تلقائياً و هو ينظم أوراقه استعداداً للعودة الى البيت. يأخذ نظرة خاطفة نحو المقهى المقابل للمكتب و يتذكر أن يضيف الى قائمة مهامه للغد إرسال إنذار أخير للمقهى أن يدفع ديونه أو أن يتم بيعه لوكيل المكتب ليصبح مقهى كوستا جديد. يرتشف هارفي أخر قطرة قهوة في كوبه و يخرج من المكتب ليعيد يومه ثانية في الغد. 

*

كل مكتب محاماة يجب أن يحتوي على مجلدات، هواتف، قهوة، نوافذ و شخصية تشبه هارفي. 
و ليكون المكتب ناجح يجب أن يخلو من الذباب، العلكة، روائح الجوارب الكريهة، النوافذ، و حبكة قصة. 

السبت، 8 يوليو، 2017

400 عنكبوتة

عندما كنت صغيرة، شاهدت على شاشة التلفاز، أمام خلفية سوداء، رجل يقف الى جانب شجرة صغيرة ممتلئة عناكب ملوّنة في مكان الثمار. كان برنامج تعليمي على قناة أطفال، هدفها تعريف الأطفال بعالم العناكاب ككائنات حية. أثارني تلقيب مقدم البرنامج للعناكب بالوحوش الصغيرة little monsters، و أعجبتني فكرة أن يترجم أحدهم و أخيراً شيء مستحيل الى واقع من خلال تشبيه... أتذكر الحماس الذي غلبني و أنا أحلل ما قاله المقدم، متفائلة بفكرة وجود الوحوش التي كنت أعلم أنها غير موجودة في سني السادسة أنذاك. أخبرت غيري "إن الوحوش حقيقية! وجودها ليس خيال! إنها فقط أقرب للواقع قليلاً." أقنعت نفسي أن المذيع عبقري و أردت أن أعلم المزيد... أعتبرت ما قاله سر لا يعلم عنه الكثيرون. حسناً العناكب وحوش، و ماذا أيضاً؟ هل النجوم هي في الواقع لمبات؟ هل تم بناء الجبال من قبل البشر؟ هل يعتبر المتشرد العالم كله بيته - لأنه تقنياً كذلك؟ هل يعتبر الكذب سحر لأنه يؤثر في تصرفات الغير؟ هل يمثل جدول المدرسة بلورة تتنبأ بالمستقبل لأنها تقنياً تفعل ذلك؟

أصبحت كلمة "تقنياً" كلمتي المفضلة أثناء بلوغي لأنها كانت الجسر الذي يربط بين الخيال و الواقع، و تجعل المستحيل ممكن.

لم تكن الخلفية السوداء و هالة الضوء التي اضاءت الشجرة السبب الوحيد في سحري، و لا لفظ "وحوش". بل كان الأمر له علاقة بإمكانية تحوّل الخيال الذي سحقه عالم الواقع الى شيء ممتع و ممكن. أصبح رجل الثلج حي لأنه يرتدي ملابس، و قصور رمال البحر مسكونة من قبل الميكروبات الصغيرة التي تسكن الرمال، و حذاء أمي سيارة للدمية. كل شيء ممكن، إنها فقط الزاوية التي ننظر منها. 

لا أخشى العناكب = لا أخشى الوحوش. 

عنكبوتة صغيرة بعيدة عن شبكتها، بنية مقابل فتحة قابس الكهرباء الأبيض. ما هي أحلامك، طموحاتك و آمالك؟ 
- لا أعلم. الحقيقة انني لم أفكر يوماً بأن تكون لدي أحلام. لطالما كنت جزء من كوابيس المتشائمون، السبب في تحقيق أهداف أبطال الكوميكس، وجودي تسحقه صرخات البنات. 

ما هي كوابيسك، اسبابك، دعواتك؟ 

- لن أخبرك. 

و تفر العنكوبتة من أمامي. لا تزال بعيدة عن شبكتها، بنية ازاء الحائط الرمادي. لا أقبض عليها و أتركها تعيش يوم أخر لربما تصل أحلام المتفاءلون، و تصبح أقرب لتحقيق أهدافها الخاصة، كل هذا و هي في قطعة واحدة.

عنكبوتة بنية صغيرة، لم أرى مثلها من قبل (بإستثناء الأمس عندما رأيتها و تجاهلتها في نفس المكان الذي وجدتها فيه اليوم)... و على الأرجح مذكر (أي عنكبوت لا عنكبوتة) لصغر حجمها. 

اختفت. 

وجودها لا يزعجني لأنها ليست مشعرة و عملاقة مثل تلك التي رأيتها كطفلة في فيلم رعب. لأنها وحش. 

الخميس، 6 يوليو، 2017

326 نصائح كيرت

صدقني، وقتك لن يضيع بين هذه الجمل. البداية قريبة جداً من النهاية، و النهاية اقتربت. ألتقي بكيرت فونغات، إنه كاتب و روائي سمعت عنه و لكنني لم اقرأ له... لم اقرأ له الا سبب كتابة هذه الأسطر*، و لذا انت مدين له بشكر او بلعنة. لا أعلم عن كيرت شيء و لكنني سأخذ بنصيحته و أقرر بأنه عطش هذه اللحظة، يريد كأس من الماء. لكوني لا أعرف كيرت، يصح أن أفترض بأنه رجل شهم و طيب و لطيف و ذكي و شجاع و به كل الصفات التي قال بها الفلاسفة اليونانيون القدماء كمقدمة لفضيلة الحسن بالظن، غير أن كيرت وقع في معضلة: إنه عطش (يريد شيء)، و لكنه عالق في غرفة مع ثلاثة أشخاص آخرين و يوجد كأس ماء وحيد وجده و هو يبحث بين الأرفف عن مخرج (و لا يستطيع الحصول عليه بسهولة). لم يتناول كيرت و لا باقي الأشخاص شيء منذ ثلاثة أيام. يوجد الشيخ العجوز الحكيم و خبراته الحياتية بين أذنيه؛ يوجد الطفل الصغير الذي يمثل مستقبل الغد؛ و توجد المرأة الشابة و أمامها بطنها بها طفل يمثلون معاً الخصوبة و الغصون و الأزهار. كلهم عطشين. كلهم يريدون كأس من الماء. ليس بالضرورة هذه الكأس التي بينهم اذ لا يعلمون بشأنه، و لكنهم يريدون كأس من الماء. المعضلة في الاختيار الذي وجد كيرت نفسه أمامه: هل يشربه وحده؟ هل يختار الحكمة، المستقبل، إستمرارية الحياة؟ لو أنني قرأت كتاباته من قبل، ربما استطعت استنتاج خطوته القادمة و لكنني لا أعلم الا عن خوفه من داء الرئة. فلنفنح نافذة! فلنمنح كيرت شخصية و لنترك له فرصة الصلاة للإله الذي يؤمن به: رب سماوي، القمر، الإلهام، العلم. يقف كيرت أمام النافذة و يستنجد بسبب وجوده. إنها ليلة باردة، و سوف يدعو كيرت أن يستيقظ اليوم القادم و قد تقرر له مصيره و مصير الشيخ، الطفل، الأم و بطنها؛ مصير كأس الماء الوحيد. يستيقظ كيرت و هو يسعل، استيقظ و به داء الرئة. لقد ردّ عليه إلهه، و قد نزل عليه الوحي على هيئة سعال. أماّ الصراصير التي دخلت الغرفة من خلال النافذة، فقد أكلت نهاية القصة.

__________________________________________________________________
*نصائح كيرت:
  1. Use the time of a total stranger in such a way that he or she will not feel the time was wasted.
  2. Give the reader at least one character he or she can root for.
  3. Every character should want something, even if it is only a glass of water.
  4. Every sentence must do one of two things--reveal character or advance the action.
  5. Start as close to the end as possible.
  6. Be a sadist. No matter how sweet and innocent your leading characters, make awful things happen to them--in order that the reader may see what they are made of.
  7. Write to please just one person. If you open a window and make love to the world, so to speak, your story will get pneumonia.
  8. Give your readers as much information as possible as soon as possible. To heck with suspense. Readers should have such complete understanding of what is going on, where and why, that they could finish the story themselves, should cockroaches eat the last few pages.



الأحد، 11 يونيو، 2017

i made it up

أحياناً، حينما اقرأ لأحدهم تنتابني رغبة قوية في أن أعرف ذلك الشخص: أريد أن نتبادل الأفكار، أن أتحدث عن ما تم كتباته و استفسر عن فهمي للمحتوى. أن أعرف الرائحة المفضلة لديك. هل من السهل دغدغتك؟ هل أنت مصاب بعمى الألوان؟ ما رأيك في ترامب؟ هل تؤيد الإعدام؟ كيف تتعامل مع الخيانة؟ ما هي ذاكرتك الأولى؟ ماذا تريد أن تكون ذكراك الأخيرة؟ شوكولاتة او فانيليا؟ ما رأيك بكنافة بالنوتيلا؟ ما رأيك في موضة جينز على جينز؟ هل تؤمن بالأشباح؟ ما هي جانرا الأفلام التي تكرهها؟ هل لديك مشاكل مع أهلك؟ هل تعتقد أن التبني فكرة جيدة؟ متى أخر مرة شاهدت فيها فيلم الرسالة؟ الخبز الأبيض أم الأسمر؟ هل ذقت طعم الفلقة في حياتك؟ متى كانت أخر مرة تجاهلت فيها الهاتف؟ هل تعتقد أن نتيجة التكنولوجيا النهائية ستكون فناء البشرية؟ هل تعتقد بالكائنات الفضائية؟ كيف تتخيل الكائنات الفضائية في عقلك: خضراء، تثير الإشمئزاز، عنيفة؛ هلامية، ظريفة، مسالمة؟ هل تجد الكتاب الأخضر مثير للإهتمام؟ هل تؤمن بأن البشر كانوا عمالقة في الماضي؟ لو خيّرت بين السفر الى الماضي او المستقبل أيهم تختار؟ هل تهاب الموت؟ هل فكرّت في الإنتحار يوماً؟ ما هو الأم بي تي أي خاصتك؟ ماذا كنت تريد أن تصبح عندما كنت طفل؟ هل برأيك المدمن مخيّر او مسيّر؟ الإنسان مخيّر او مسيّر؟ هل تحب الفلفل المسّير؟ هل يصبح وجهك أحمر عندما تتناول الحار؟ هل تفضل الطقس الحار او البارد؟ لو خيّرت تعيش في أي مكان في العالم تختاره للأبد، أين تعيش؟ باتمان او سوبرمان؟ ما هو رأيك في قرار لبنان عدم عرض فيلم ووندروومان؟ هل ترى وجوب فصل السينما\الفن عن السياسة؟ هل يمكن فصل الفن عن السياسة؟ هل يمكن فصل الفن عن الشخص؟ هل يمكن صنع فنّ دون وجود معنى خلفه و لا يزال يظل صائب ان نطلق عليه اسم فنّ؟ ما رأيك في التكبر بناء على الذوق الفني\الموسيقي\الأدبي؟ أليس الأنف (الخشم) شيء غريب؟ هل بإمكانك الغمز بعينيك الإثنين؟ هل عمرك غششت في إمتحان مهم في حياتك؟ ما رأيك في الغش؟ هل الكذبات البيضاء ضرورية؟ هل الصراحة ضرورية؟ برأيك الكذب مضر بالكاذب على مستوى أخلاقي شخصي؟ ما هي الأخلاق بالنسبة لك؟ ما اسوأ شيء ممكن فعله برأيك؟ لماذا؟ أليست اسماء الإستفهام غريبة بعض الشيء: من، ما، متى، كيف، أين؟ ألسيت اللغة بشكل عام غريبة؟ هل تؤمن بتخاطب الحيوانات مع بعضها؟ هل الحيوانات ذكية؟ لماذا تأكل اللحم\كيف تستطيع ان تبرر لنفسك أكل اللحم؟ هل تظن أن العالم سيكون مكان أفضل لو أننا أصبحنا نباتيون؟ هل سيصبح العالم مكان أفضل بدوننا؟  [يتبع...]

لاين من مسلسل غيلمور غيرلز الذي هو وسيلة تضييع وقتي الحالية قد تعلم عمّا أتحدث عنه في سياق مختلف. مجنونة بموسيقيين تريد أن تعزف مثلهم. لا يكفيها أن تستمع اليهم في غرفتها و من ثم تحاول تقليد عزفهم على الدرامز المستعار من متجر الموسيقى - بل أعتقد أنها تتحدث عنهم بإستمرار مع روري في محادثاتها التي لا نراها على الشاشة. لا بد أنها تحادث روري عن كيرت كوباين و كأنها تتحدث عن إله و لكنها تنسى هكذا أنه قد مات و قد لا تصل الى غايتها الا بأن تموت مثله لتتساوى. روري التي شخصيتها في المسلسل مولعة بالقراءة لا تتحدث بما فيه الكفاية عنهم لأننا نشاهد بدل عن ذلك تفاصيل حياتها و هي تعيشها... بل لا نسمع الا مرة بعد قداش عندما تحادث جدّها و لكننا نجد نفسنا محظوظون أننا لا نسمع الكثير عندما نشاهد أين كان من الممكن أن يأخذها الأمر بمقارنتها بصديقتها باريس في الموسم الرابع... هذا لو فرضنا أن باريس تهتم "فعلا" بسماع اراء آشر فليمنغ. 

أنا محظوظة بمعرفتي بعض الأشخاص ممن يجعلونني أشعر بذلك رغم معرفتي بهم قبل كتابتهم الشيء أصلا. تلك مثلا التي عرفتها رسّامة قبل أن ألتقي بها ككاتبة و ناقدة و مترجمة... اوتلك التي عرفتها محبّة للقراءة قبل أن أعفس على عتبة القصائد التي استملكتني. حتى ممن كنت محظوظة بما فيه الكفاية لأرى القليل؛ إفتتان، خجل لا يخفى، عدم مبالاة. عائشة راينبو، ملاذ، سوشي مان. محظوظة. و لكنه فاتني ان اعرف الكثيرون: لا يوجد باب سري يدخلني على الطريق بين البلدان في رحلة ابن فطومة يخرجني على قاهرة القرن الماضي لألتقي بنجيب محفوظ على مائدة الطعام لأتفرس شخصيته من طريقة تناوله الطعام. لا ينفع الغوغل لتتبع خطوات تلك التي تركت خفها وراءها على هيئة اسمها قبل أن ترحل و تترك صفحتها. لن تلدغني لأنني لن ألتقي بها. لماذا فعلتيها سلفيا؟ هل عشتي التجربة بالفعل وارسان؟ أخبرينني ماذا حدث في وقت انقطاعك عن روبيرت يا باتي! أين التقيت بأماندا يا غايمان؟ و الأمر أكثر تعقيداً عندما يتعلق بمن أعاصرهم لأن بعضهم لديهم حسابات على مواقع مثل أسك و صراحة.
ظننتك قد مت! لا تغلق مدونتك، أرجوك! بإنتظار فيلمك! لا تتوقفي عن كسر التابوهات! ليبي يمارس حياته بشكل سينمائي!

و أنطلق في الأسئلة و لكن الإجابة تعيد نفسها. 

- ماذا كنت تفكر عندما اعتبرت الأفلام الرخيصة انعكاس لشخصية المجتمعات التي تشاهدها و تعتبرها سينما؟
i made it up
- شن كنت تفكر لمّا التقطت الكاغط لمّا كنت طفل؟ 
i made it up
- وين خذاتك رحلة الآسيد الصيف اللي فات- بالإضافة الى املاء ذاكرتك بالمياه - ؟ 
i made it up
- هل أكلتك المفضلة هي الزميطة؟ 
i made it up
- هل كانت اللوحة المفضلة لك بينهم كلهم؟
i made it up

يكفي للآن أنني وجدت كنز مدفون يثير تساؤلات جديدة.

لو تم قراءة هذه التدوينة، مهمن كنت: نعرفك او ما نعرفك، غايمان او ماركوس او رؤيا، ميت او حي... أجب عن الأسئلة بينك و بين نفسك. و لكن لا تقول i made it up

الأربعاء، 31 مايو، 2017

تاريخ قصير يشرح تفضيلي "كل عام و انت بخير" على "كل سنة و انت طيب" كتهنئة

لما كنت صغيرة و نسمع في الناس يقولوا "كل سنة و انتم طيبين"، كنت نحير. شن معناها الجملة؟ اذاً من المقبول إجتماعياً ان يأمل المرء بأن يكون غيره "طيب"؟ بأن يستمروا في الطيبة؟ يقوم بتوجيهه مباشرةً للشخص؟ باهي ماذا لو لم يكن الشخص طيب؟ هل تصبح العبارة سخرية منه؟ 

....ما كنتش نعرف أن الطيب\ة  مرادف للحسن و الجيد... ظننت الكلمة تصنيف و معيار أخلاقي مش أكثر. يعني لمّا أختي (مش اني هيهي؟) تدير فالطة يقولوا خليك عاقلة و طيبة. لما نشارك اخواتي بعض من الكيكة اللي اعطتهالي قريبة في زيارة لهم يقولوا عليّا طيبة. 

ذاكرتي ترجع لأول مرة فكرت في العبارة كويس، و شديت فيها. كنت واقفة على الدروج و تحته بساط أحمر و أمي تسلّم على جدتي المرحومة موسم العيد. تقول لها "كل عام و انتي بخير" و ترد عليها جدتي "كل سنة و انتي طيبة" و تشدني من إيدي و تقول لي، قولي "كل سنة و انتي طيبة"، و كررتها و اني حايرة. طبعاً ربطت العبارتين ببعض و فهمت و لكنني ما استغتهاش: ما سدّ التنظير من قبل الأهل -تحت مظلة التربية-، يقولولك "كن طيّب"، نضطر نسمعها من أكثر من مصدر و بلّ حتى أنني نكون المربية لغيري بأنني أطلب منهم يكونوا طيبين؟ لالالا. كل حد حر. اللي يبي يكون شرير يكون شرير... شن معنى الطيبة لو كانت مفروضة عليك فرض؟ 

و تعدى الأمر أنني أصبحت أتخيل السنة عتبة يقف عليها الطيب يبتسم "بـ طيبة" بإنتظار أن يتعداها من يقول لغيره "كل سنة و انت طيب". العبارة قعدت رزينة على لساني، حتى لليوم. 

و هذا علاش نفضل نقول "كل عام و انت بخير"! :) 

و رمضانكم مبارك. 


الاثنين، 22 مايو، 2017

الشهيقة (قصة قصيرة)

القصة التالية كانت مشاركتي في مسابقة فزان ليبيا اللي اعلن عن فائزيها مؤخراً و طبعا قصة الشهيقة مش بينهم... أعدت قراءتها مؤخراً و لقيتها ركيكة و نوافق صديقة نوثق بها في نقدها بشأن عدم توفيقي عند خلطي اللهجة مع اللغة (زي توا يعني). واثقة في أفكاري و لكن مازال ضعيفة التنفيذ. هذه القصة زي ما بعثتها و اللي يقرأ و عنده نقد يبعث لي بش نتعلم و نفهم شن فهم القارئ. 

تبدأ القصة بشهيقة، تخرج من فم الأربعيني عقب تناوله الغذاء. كانت وجبة كبيرة من الطبيخة الحمراء الحارة التي لفحت لسانه، لقمات من الخبز المغمسة تثقل معدته ليعدل جلسته من تربيع الى تمديد. تأتي له ابنته  بكأس 
ماء و تضحك زوجته قائلة "اشبح من يتكلم عليك، ان شاءالله بالخير".

مروان الأربعيني هو رب أسرة بها عدد لا بأس به من الأبناء، يسكن منزل متهالك ضاحية العاصمة، بعيداً عن صخب المدينة. يمتلك محل للمواد الغذائية واجهة المنزل، يبيع فيه الخضرة و المكرونة و ستيكات المية و الواراكينة و كروت ليبيانا، و خلفه ورقة تعلن "البيع بالدين ممنوع"، و رغم هذا على جانب الكاصة توجد كراسة ممتلئة بأسماء عائلات تدين له بمقابل الزيت و التن و الموز والتي لم يأتي بعد موعد سدادها و قد لا يأتي ابداً في ظل ظروفهم و قدرة مروان الرهيبة على الصبر، أما الآن يبدو أنه سيضطر ان يصبر على الشهيقة.

ينش مروان الأربعيني بيده الذبابة التي اقتربت منه، و يغلق عينيه ليأخذ قيلولته. لقد أعتاد على النوم لنصف ساعة يومياً على الأقل منذ صغره، فباءت عادة لم تفارقه.. أما المحل، فقد اعتاد الزبائن على ساعات اغلاقه في ساعتين تتوسطهم صلاة العصر، بعلامة تعلّق منتصف الباب "راجع حالاً". ابتعدت الذبابة، و انعدم احساس مروان الأربعيني بمحيطه، و وصل الى منتصف النفق المظلم الذي سيأخذه الى النوم، و لكنه يقاطع فجأة بشهيقة تخرج من فمه ثانية توقظه و تنسيه النفق الذي ظلّ ينقبه منذ لحظة اغلق فيها عينيه. "اعوذ بالله من الشيطان" ينجرف مروان الأربعيني في سبّ الشيطان و يعتدل في جلسته، و يتجه نحو كأس الماء و هو ينظر في الفراغ، يقيس محتويات جسده بيده، فيضعها على حنجرته الخشنة بإنتظار صرختها المكتومة، تأتي و يصل صداها لبقية جسده تحمله لحظياً الى أعلى و الى أسفل، فيبدو لتلك الأجزاء من الثانية كالقارورة التي هزت الى أعلى أو العين التي ارتجفت كعلامة يأخذها المتطير على مصيبة مقتربة. يستمر مروان الأربعيني في تحسس المطبات، و يتجه جنوباً نحو مريئه بإنتظار الرجفة القادمة: هذه المرة، زلزال. 

أم مروان شرقاوية ولدت في المرج، و قد أعتادت الحديث عن الزلزال الذي هزّ مسقط رأسها، عشرة سنوات بالضبط قبل تاريخ ميلاده الذي أخذ منها تؤأمها في حادثة لم تشفى منها يوماً. تحكي أم مروان القصة بلهجة محلية، "كنّا نفسٍ واحدة غير أن الزلزال سرقه مني، رحمه الله". و تستمر "ليلتها كانت الماء خيط من السماء و لم استطع النوم.. و المرحوم استيقظ من حلم و اخبرني أنه رأى نفسه قد ركب مكنسة طار بها و لم يعد، فقمت بتفسيرها على أنه سيسافر دون أن يرجع.. و أوصيته أن يأخذني معه. ثاني يوم الزلزال أخذه. المرحوم لم ينتظرني و لم يأخذني معه." أما وصفها للزلزال، تأخذ نفس قبل أن تبدأ "الدنيا انقلبت! انشق حوش الجيران و كشف عن الحمام و الجار يستحم، و الشجر طاح.. عصافير ميتة مرمية على الأرض، و انقلبت السيارة الوحيدة في القرية" و من ثم تعود لتؤأمها "تفاؤلت له فذهب و لم يعد"، و تنهي حديثها بثلاث بصقات على يسارها، تطرد فيها الشيطان من الجلسة.
طرد مروان فكرة خاله الميت و أمه المنكسرة و القرية المهجورة، ارتشف المزيد من الماء، و مدد يديه جنوباً نحو رئتيه بإنتظار الموجة القادمة. 

عندما كان مروان صغيراً، كان يذهب مع عمه الشاب و أصدقائه الى البحر.. لم تكنّ مرات كثيرة تلك التي استلطف فيها عمه الشاب ان يرفع معه طفل الى زرداته الشابة، و لكن في ذاكرة مروان الصغير التي يزّينها الوقت، كانت بعدد الرمل على البحر. عندما كان مروان صغيراً، حاول صديق عمه الذي يدعوه الجميع بالأحول تعليمه كيفية الغوص. من على حجرات مرتفعة قليلاً عن مستوى البحر، طلب منه أن يضع يديه الى الأمام و أن يفكر في شيء يرغب فيه، يتخيله في قاع البحر، و من ثم القفز نحوه. في محاولته الأولى، تخيّل مروان سيارة لعبة تشبه تلك التي امتلكها ولد الجيران، فثبت عينيه نحو القاع و مدد يديه الى الأمام و حاول الغوص غير أن ساقيه قامتا بخيانته و بقيتا ملتصقتين بالأرض. "معليش، عاود ثاني" قال له الأحول. صمم مروان الصغير على الغوص بنجاح هذه المرة، و قرر أن يفكر في شيء يرغب به أكثر من السيارة اللعبة.. فتخيّل عصا طويلة يمسكها ضد غريمه الذي دفعه في المدرسة ذلك الأسبوع، و ثبت عينيه نحو القاع و مدد يديه الى الأمام و حاول الغوص. اندفع مع يديه ليمسك بالعصا و لم تخنه ساقيه هذه المرة، و لكنه فشل في تصويب نفسه فسقط الى الجانب. "جرب ثاني" يقول الأحول هو ينظر نحو أصدقائه بشوق من يضيّع وقته. هذه المرة، قرر مروان الصغير ان يكون صادق مع نفسه ليفكر في شيء يرغب فيه بقدر رغبته هذه اللحظة في الغوص. لن يعرف الأحول ما يدور في باله.. لن يعرف أحد. استعاد صورة بنت الجيران التي تأتي مع أمها لتزور أمه و أخواته أحياناً. لا بد أنها كانت تكبره بسنوات عدة تفوق سنواته العشرة، جلبت له علكة في زيارة من الزيارات و لكنه رفضها معلناً أنه ليس بطفل و لكنه ندم عندما مدت العلكة لأخواته اللواتي من عمرها. وضع مروان الصغير وجهها القمري و ابتسامتها في قاع البحر، ثبت عينيه في عينيها بطريقة لم يستطع فعلها في الواقع، وضع يديه الى الأمام و هو يحضر نفسه للمس شعرها البني، و اندفع نحوها بقوة. لم تخنه ساقيه و لم يفشل في التصويب، و لكنه سقط لقوة قفزته بيديه متناثرة يميناً و يساراً و لم يقترب من القاع حتى. "شاطر" قال له الأحول الذي لم يكن ينظر حتى، و قام بالغوص نحو قاع رأى فيه الأحول كل شيء بدون حاجة لإرتداء النظارة. كان مروان الصغير في الماء عندما جاءت موجة كبيرة ضربته، استنشق ماء مالح دخلت رئتيه و حرقت عينيه. في ذلك الأسبوع توقفت سيارة ابيه عن العمل، و ضربه الأستاذ بعصا طويلة لأنه لم يقوم بأداء الواجب، و خطبت بنت الجيران و انعدمت زياراتها. 

رجع مروان الأربعيني للسطح، و ارتشف بقية الماء من الكأس و نهض لأداء صلاة العصر. لقد كسرت عادته في النوم بفضل الشهيقة، أما الصلاة فهي لدى مروان الأربعيني أكثر من عادة منذ أن كان مروان الثلاثيني. قام مروان بالتوضأ، و بين غسلة و مسحة يهتز جسده لثانية، جعلته ينسى أي طرف من أطرافه قد غسله حتى انتهى بعد أن يكون قد أعاد الوضوء كم مرة، كالموسوس. أما خلال صلاته، فقد هزت القارورة و ارتجفت عينه و زلزلت الأرض و ضربت الموجة.. و عاد بعد كل حدث و هو يستعوذ من الشيطان.

رجع مروان الأربعيني حالاً الى المحل، و هو يلعن في كل درجة يأخذها كينونة الذي يتحدث عنه. داخل المحل، أعاد ترتيب صناديق المشروب في الزاوية، و هو يستعد للشهيقة القادمة، وقف وراء الكاصة و باع لفة من النعناع و عشرين كرت رصيد و نعت الطريق لشاب يبحث عن بيت فلان، و استعد لإستقبال الشهيقة، و استقبلها، و ارتاح، و استعد، و استقبلها ثانية.

دخل الحاج الذي اعتاد شراء الخبز من المحل كل عشية، و حدّث مروان الأربعيني عن حادث على الطريق الرئيسي كان شاهد عليه، و من ثم تحدث عن غلاء الأسعار و العنوسة و استمر في الحديث و هو يختار خبزه على مهله. "من يقرّم فيك يا ولدي؟" يضحك الحاج و قد وقف أخيراً عند شهيقة مروان.. و لم يترك له مجال للرد قبل أن ينقض عليه بوصفة طبيعية وعده أنها ستزيل عنه همّه: "اطحن ثوم في كاشيك سكر و بياض بيض و خلطه في عسل و ابلع على الريق.. ترجع يا سلام عليك يا ولدي". شكره مروان على حسن نيته و لكنه لم يأخذ بكلامه.. و قام بدل ذلك بإنتظار الشهيقة و من ثم الإستعداد لإستقبالها ليرتاح، و من ثم الإنتظار من جديد، ليستقبلها ثانية.

في اليوم التالي، بعد ليلة متعبة من الدخول و الخروج من النفق دون الوصول الى نهايته، جلس بإنتظار فطوره... فجاءت من حيث لا يعلم ابنته و فاجأته من الخلف في محاولة لإخافة الشهيقة بعيداً. حاول أن يغرغر بماء ساخن كما جاء في نصيحة وجدها له ابنه على الانترنت بالبحث عن "كيفية ازالة الحازوقة"، غير أن التغيير الوحيد الذي أحدثته فيه هو حرق لسانه. حاول ضمن هذه المحاولات تناول كمية غير طبيعية من الماء و الخبز رغم امتلاء الثلاجة، نقع جريدة الاسبوع في ماء ورد و شربها، نطق ألفاظ لم يألفها. لم ينفع شيء.
نزل مروان الى المحل، و بدأ بأداء مهامه اليومية بإنتظار صاحب الشاحنة الذي يجلب البضائع. كنس أرضية المحل، استلم كروت شحن الهاتف، و تأكد من تاريخ صلاحية الهريسة.. و عندما جاء صاحب الشاحنة، لحظ مروان أنه يأخذ من الشهيقة نفس الوقت الذي يأخذه صاحب الشاحنة لإنزال البضائع الى المحل. بدأ مروان يعد الثواني بإنتظار الشهيقة القادمة. كانت أحياناً صفعة مثل تلك التي استلمها من والده يوم كان مراهق رجع في وقت متأخر بعد مباراة كرة قدم أذاع عن حدوث اشتباكات بعدها، تثير في وجنتيه الحمرة و تهيج فيه الحسّ بالإهانة... و في أحيان أخرى كانت الحمرة و الهياج التي تثيره فيه نسبة لشعور أشبه بسكرة تعيده الى أيام كان فيها مروان العشريني في زيارته لبلد الجوار. و بين صفعة و سكرة، نسى مروان شعور أن يكون جسده ساكن و مطمئن.

بعد يومين من الازعاج و الراحة، آن الآوان ليستعين مروان الأربعيني برأي الطب، و فور أن دخل الطبيب و أخبره عن حالته، سأله "ماذا جربت قبل أن تأتي؟" فبدأ مروان بإستعادة كل ما قام بتجربته على مر اليومين الماضيين، حدثه عن استعداده لمواجهة شعوره بالخوف، و عن ابتعاده عن الثلاجة، و تطهيره للسانه و تعطيره بماء الورد و صونه، و انتهى مروان بسؤال الطبيب عن ماهية الشهيقة، فأجابه "الفواق يحدث عندما تنقبض عضلات الحجاب الحاجز فجأة. أسبابها تختلف و لكنها في الغالب تأتي نتيجة الفواحش و الأعمال القبيحة. لدي لك بعض الأسئلة حتى استطيع تشخيص حالتك" يهز مروان رأسه و يحدث أثناءها ان تخرج منه شهيقة أشبه بصوت الجرس الذي كان يوقظ مروان الطالب من أحلام اليقظة و هو طالب في الثانوية. كان مروان طالب متوسط، معدله جيد دون أن يسقط دون ذلك او يرتفع، لم يبذل جهد كبير و لم يهتم بالمعادلات او النحو او موقع قارة أنتارتيكا على الخريطة و لكنه أحب أن ينتبه في حصة التاريخ الى القصص التي أهتم بأحداثها: فرسان و غزوات و سيوف و سبايا و كل تلك الأشياء المشوّقة التي تتكرر اليوم بطابع عصري، يتابعها الأربعيني على القنوات الاخبارية، فباتت جنود و حروب و قنابل و مجاهدات النكاح. جرس مختلف هو صوت الطبيب، يعيد مروان الأربعيني الى الحاضر بسؤاله "قداش ليها؟" ليجيب مروان "يومين"... "اها، يبدو أنها حازوقة مستمرة، لا عابرة. باهي، ماذا كنت تفعل اول مرة راوداتك؟" ليجيبه "كنت أكل" يهز الطبيب رأسه و كأنه كان قد علم ذلك منذ البداية و يضيف، "اخر سؤال: شن مداير في حياتك الاجتماعية؟" و ينظر اليه و كأنه ينتظر منه اجابة فاضحة، و أضاف "أقصد، هل واخذ على مرتك او شاري سيارة جديدة او بنتك منزلين صورها على الفيس..؟ حاجة مخلية الناس تدوي عليك يومين"، يفتح مروان فمه ليجيب و لكن قبل أن تخرج منه كلمة، خرج رعد هزّ الغرفة بأكملها. عندما كان مروان شاب عشريني يلعب كرة القدم مع أصدقاؤه، سقط و كسر ركبته، و حدث أن صدر عن السماء رعد ينبئ بقدوم عاصفة في ذات الوقت.. فربط مروان العشريني صوت الرعد بإصابته و أصبح لسبب عضوي او نفسي او غيبي لا يهمنا الآن، يشعر بقدوم العواصف من خلال ركبته التي كسرها في بداية عشريناته... الرعد الذي خرج من فم مروان الأربعيني بعد سؤال الطبيب، أيقظ ألم بركبته جعله يستعد نفسياً لعاصفة.. تجاهل سؤال الطبيب و أخبره بدلاً عن ذلك بألم ركبته لعله مرتبط بالشهيقة.. فأنقض الطبيب على ركبته بالفحص حتى اطمأن لكونها اصابة قديمة و كتب له وصفة طبية و مدها اليه مودعاً "فرصة سعيدة". انزعج مروان الأربعيني و لكنه استسلم لأمر الواقع و اتجه نحو الباب، و بدل أن يودعه خرجت منه شهيقة استسلم لها و رضخ.

ذهب مروان الأربعيني للصيدلية، و مد الصيدلانية بالوصفة الطبية دون أن ينبس بكلمة، فأعطته قارورة بنية و أخبرته أن يشرب الدواء ثلاث مرات يومياً بعد كل وجبة... و من ثم نظرت اليه و سألته "هذا مش ليك الدواء؟" ففتح فمه و لم يبذل جهد للحديث حتى، اذ أنه قد توقع الشهيقة التي بدت له هذه المرة مثل صوت تحطم الزجاج، فنظرت له الصيلانية برعب، و قالت له بهدوء "لن ينفعك الدواء. أعطاه لك الطبيب حفاظاً على كرامته. الشيء الوحيد الذي سينفعك هو أن تمشي لفقيه يقرا عليك و يبعد عنك شبهة الناس" و من ثم استغرقت في الحديث عن تجربتها مع الشهيقة "صدقني، انني مجربة"، فأخبرته عن الشهيقة التي تبعتها العشية التي فسخت فيها خطوبتها، و التي لم تتوقف الا عندما خطبت لإبن قريبها الذي يعيش في المهجر.. "و توا خلاص امشي بلاش شهيقة. في آمان الله". ترك مروان الصيدلية و قبل أن يخرج ملأ الصديلية برائحة نتنة نبعت من فمه، و عاد مكسور الخاطر الى البيت.

أعتاد مروان الأربعيني على المطبات التي أصبحت تتخلل يومه و تمنعه من الحديث، اذ أصبح كلما أراد أن يتحدث، تخرج منه شهيقة تسكته. مرة تكون موجة و في أخرى صفعة و أحياناً جرس او رعد او هزة... ففضل أن يبقى في البيت و ترك المحل لشاب يعمل لديه، و انكفأ في المربوعة يشاهد الأخبار او ينقر على شاشة هاتفه او يستمع الى أحاديث أطفاله عن المدرسة... حتى جاءه ابنه تلميذ الإبتدائي ليخبره أن زميله قال له أن والده طلب منه عدم الجلوس الى جانب ابن مروان لكي لا يعديه. و في الغرفة المجاورة ارتفع صوت زوجته و هي تتحدث على الهاتف، تشكي لأختها أنه لم يتم عزمها على حفل إنجاب قريبتها، و من ثم بصوت منخفض كاف ليسمعه مروان، تخبر أختها "شكلها سمعت شهيقة مروان التي وصلت لأبعد من الشارع".  أثقل الأمر على مروان الأربعيني الذي أصبح يشعر في الأونة الأخيرة بكونه مصاب بمرض معدي يبعد الناس عنه و يبعده عنهم.
أتجه مروان الى الفقيه طبقاً لنصيحة الصيدلانية، و فور أن سمع الفقيه من مروان فيضان البركان حتى لفّه بالتحية و طلب منه أن يجلس.. "اشبح من مدايرلك كتيبة"، ففاض البركان أكثر، و سال حتى بدأ على معالم الفقيه السعادة.. "الحل بسيط. اذبح دجاجة و بخّر ريشها مع أذان المغرب و بعدين أغسل بدمها مع آذان العشاء، و نتفاوضوا على السوم بعدين ان شاءالله".. خرج مروان من المكان المشبوه و تزايدت مع كل ثانية سرعة الشهيقة، فأصبح البركان حدث عالمي من مثل الذي يتنبأ به المنجمون عشية رأس السنة.. وصلت حممه الى شواطئ كل من أمتلك قرابة بمروان مهما كانت بعيدة. فكّر مروان في عرض الفقيه و لكنه فضّل أن يتجه الى المربوعة و يغلق الباب على نفسه أيام متواصلة يشاهد فيها الأخبار و ينقر على هاتفه و يستمع الى قصص أطفاله عن المدرسة.

قرر مروان الأربعيني أن يصلي العصر في الجامع، و لدى إنتهائه، اتجه الى الشيخ ليشكي له مشكلته لربما لديه رأي او ما يقوله.. فأتجه إليه، و فور أن فتح فمه، خرج "أه" تعبيراً عن الألم، ذكرّه بآهاته و هو ابن التاسعة في الكتّاب اثر فلقة نتيجة عدم حفظه الآيات المطلوبة منه. نظر اليه الشيخ و طلب منه ان يستعوذ من الشيطان و يطلق قراءة سورة البقرة في بيته و أن يطلب من الله الستر، و من ثم أضاف "لن يضرك ان أطلقت لحيتك و ربما قصرّت سروالك". بدأ كلام الشيخ معقول... فعكف مروان الأربعيني في المربوعة أسابيع يشاهد فيها الأخبار و ينقر فيها على هاتفه و يستمع الى قصص أطفاله من المدرسة، لا يغادرها الا لأداء صلواته في الجامع.. فظهرت له مع الوقت لحية تجلب له الهيبة، و مع كل يوم، ابتعدت الثواني بين كل شهيقة و شهيقة لتصبح دقائق و من ثم ساعات. و في يوم ما، قرر أن يكمل نصيحة الشيخ،  فقصّر من سرواله و حمل في يده مسبحة في طريقه للجامع، و بقى ينتظر شهيقته القادمة ليستعد لها... و لكنها لم تعود.